نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

التطبيع: المحاكمة الأولى في الأرض المحتلة مجالا ونوعاً (الحلقة الثانية)

img

تحقيق هاني البرغوثي

مدير و محرر موقع نبض الوعي العربي

 

من المحاكمة للدكتور عادل سمارة

حينما تكون محاكمة غريبة و لأول مرة في أرض فلسطين العربية المحتلة ، و المدعى عليه يحمل قضية فلسطين منذ نعومة أظفاره،دفع ثمن أفكاره و قوميته و مقاومة المحتل أن يقضي سنوات من عمره خلف قضبان السجون في الأردن قبيل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة 1967، وسجون الاحتلال الصهيوني وحتى سجون السلطة في رام الله، و محاربته بأقل حقوقه في الوظيفة و اكتساب العيش من وظيفة ما يزرع لمن يجلسون على مقاعد تحصيل العلم فيحصدون نور العلم وحب الوطن حتى تحرير الوطن،انه الدكتور عادل سمارة في فلسطين الوطن الجريح ويجتهد أن يضمد هذا الجرح حتى الشفاء الكامل،و ذلك بتحرير فلسطين من المحتل ،يقاوم بسنان يراعه و مداد حبره الشريف التطبيع ،له مؤلفات عديده في نور المقاومة و ازالة الستار عن التطبيع و المطبعين.

كان لا بد لنا في “موقع نبض الوعي العربي” ان نتواصل مع الدكتور عادل سمارة حتى نستطيع توضيح كل ما في هذه المحاكمة لقراء الموقع و الأخوات و الأخوة الشرفاء المقاومين من الكتاب و السياسيين الذين يرفعون راية محاربة التطبيع .

سألت د. سمارة ما هي ملابسات دورك في المسألة؟ وقد كتب لي ما يلي:

” بداية، اشكرك على الإهتمام، وجوهر القضية هي الدعوة لدولة مع المستوطنين! وهذا يذكرني بمحاولات جميع من يتزلفون للعدو بالذهاب إلى حل “الدولة الواحدة” وهو ما أسميه “الاستقواء بالضعف” اي الارتماء تحت أقدام عدو يعتبر الكيان دولة يهودية نقية وفقط، وهؤلاء منذ بداية جلسات المحاكمة يوم 30 حزيران 2016 حاولوا تغطية الكيدية السياسية للمحكمة بما أن القضية هي التطبيع زاعمين سراً دون أن يواجهوني بأن القضية خلاف بين رجل وإمرأة! وهذا تشويه معيب يكشف بأن وهمهم بدولة واحدة هم انفسهم على قناعة بتهافُته. مسيرة المحكمة وصبرنا كشف كل شيء.

أوَّل علمي بالصرخة كان أن أرسل لي صديق فلسطيني في لبنان هو محمد العبد الله الرفاعي ، وهذا إيميله إن اردت الكتابة إليه. Alabdallah [email protected] أرسل لي محمد نص وثيقة بعنوان “نداء وصرخة من الأعماق” وهي مصاغة بخطاب ماركسي، تبين لاحقا أن كاتبها هو د. صبري إمسلم من قرية خاراس قرب الخليل، وهو شيوعي سابق ومحسوب في المجلس الوطني الفلسطيني على الجبهة الشعبية. كان سابقا في الجزائر. بالمناسبة قبل الصرخة بثلاثة أعوام جاء زارني وطلب مني مساعدة أكاديمية لإبنه في الجزائر وفعلت.

وبالمناسبة ايضا بعد افتضاح الصرخة وهي منشورة كورقة وثيقة يتبناها ويروج لها تجمع مركزه في لبنان واسمه “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” ويرأسه المشبوه د. يحي غدار، وقد نُشرت في 15 ايار 2015، باسم الرفيق أبو احمد فؤاد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية وفي موقع “العالمية”الإيراني وبعد الفضيحة جرى شطبها وأصدرت الجبهة بيانا تنفي علاقتها بالصرخة. وبعد الفضيحة ايضا ارسل لي صبري إمسلم رسالة شفهية مع إبن أخيه لإبني يزن يقول: أنا الآن عجوزا، وأريد أن اقضي بقية عمري مرتاح في خاراس”! عجيب! ولماذا تهي عمرك بوثيقة مشبوهة!!! طبعا، هو طُردبعد الفضيحة من اجتماع المؤتمر القومي العربي في بيروت على يد الرفيق د. عصام السعدي هو والمدعية حيث فضحهما د. عصام وذلك في شهادة د. عصام.

قال لي الصديق محمد عبد الله: “بدي رايك في هالوثيقة الملتبسة قرأتها 3 مرات حتى فهمتها”. قرأت الوثيقة ودهشت أنها تقوم على الطلب بدولة مع المستوطنين. وبالمناسبة كان ذلك في فترة حرق المستوطنين للطفل محمد ابو خضير، وعائلة دوابشة! كتبت له رايي.

قبل أن أُطلب للتحقيق عند مباحث السلطة يوم 29 حزيران 2016 بسنة أو أكثر جائني صديق من الخليل وقال لي إن عزمي بشارة يرتب لك مشكلة. وقد تبين لي لاحقا علاقة بين المدعية وعزمي وشخص آخر هو أحمد اشقر من بلدة إكسال في المحتل 1948 الذي كان يعيش في موشاف مزراع مع المستوطنين وشخص رابع لا أريد ذكر اسمه هو كان منسفهم في عمان.

قبل أن أُطلب للتحقيق اتصل بي شخص اسمه محمد وليد وقال لي اريد اللقاء معك. قلت من أنت قال انا من أمن جامعة بير زيت. قلت أمن وقائي؟ قال لا، أمن الجامعة (وكل هذا في إفادتي في المحكمة).قلت لماذا تريد لقائي قال ساخبرك. جاء إلى مكتبتي في القرية “اسميها القرمطية” هو وآخر اسمه محمد جميل وقالا لي أن المدعية وضعت قضية ضدك عند السلطة. قلت وما شأنكما في ذلك؟ قالا لأننا نريد ان نعرف عنها فهي ترسل اشخاصا للخارج ويتم التحقيق معهم حين يعودوا. قلت هي غير مريحة.

بعد جلسة المحكمة الأولى 30 حزيران 2016، كتب لي محمد جميل على الفيس (وهذا موثق) : دكتور “بدي اقعد معك للضرورة” والتقينا في مكتب كنعان، اعتقد يوم 9 تموز 2016، وقال لي أن المدعية طلبت منه ان يتصل بها هاتفيا ويهددها على أنه عادل سمارة. قلت له وهل ستشهد في المحكمة ؟ قال نعم. قلت ولكن لماذا تتعب نفسك من أجلي؟ قال انت كاتب ومناضل…الخ. قلت له، أنا لا يوجد عندي ما أقدمه لك سوى أن اساعدك بأن تسجل في جامعة بير زيت للماجستير اساعدك اكاديميا، دون أن يعرف من سيشرف عليك لأن الجامعات ترفض تشغيلي وأنا كثيرا ما اشرف على طلبة ماجستير ودكتوراة دون أن يعرف من يشرفون عليهم، وأعطيته هاتف د. سوسن مروة في الجامعة واتصل بها (كما كتب لي) وبعدها لم يذهب واختفى وحين عاودت الاتصال به رفض ان يشهد! ومنذ 3 جلسات للمحكمة محمد وليد ومحمد جميل مطلوبين للشهادة ويتغيبان!” كما سيطلب محاميان الدفاع الأستاذ مهند كراجة والأستاذ ظافر صعايدة، السماع لفيديو شهادة د. ربحي حلوم الذي كتب البيان ضد الصرخة والذي ارتكزت عليه المدعية بأنني كتبته واهاجمها، وهذا غير صحيح حيث أنني وافقت على البيان ووقعت عليه. فيديو د. حلوم يشرح كل شيء.

إلى هنا ينتهي حديث د. سمارة. وسيقوم “موقع نبض الوعي العربي بنشر الصرخة المذكورة وما يتعلق بالقضية على حلقات.

 

تتمة صرخة وطنية ونداء من الاعماق

 

 

مرحلة التحرر الوطني تسبق مرحلة بناء الدولة الوطنية

ان الاقرار بكوننا ما زلنا في مرحلة التحرر الوطني يشكل لنا بوصلة نهتدي بها في ترتيب اولوياتنا الوطنية وعلاقاتنا البينية من جهة ومع الاخرين من جهة اخرى، وهذا يتطلب في المقام الاول التوقف عن الهرولة وراء المحتلين طلبا للتوقيع معهم على مزيد من الاتفاقات، لعلمنا المسبق بعدم التزامهم بها كما علمتنا التجربة، ولأنها اصلا جزء من عملية خداع شاملة سميت زورا بعملية السلام بدءا باتفاقيات كامب ديفيد مع مصر السادات ومرورا بمباحثات مدريد واتفاقات اوسلو وطابا .. وصولا الى وعد بوش المهزلة بإقامة الدولة المسخ قبل نهاية عام 2008، والتي تندرج كلها في عملية استسلام اقليمي عربي كامل نسبيا، جوهرها الانخراط في مشروع الشرق الاوسط تحت ادارة الكيان الصهيوني، الذي يريد له رعاته دورا جديدا اقتصاديا بعد ان كان عسكرياً مندمجاً بالكامل في الجهاز العسكري الأمريكي ومتمتعا بوضع متميز في اطار العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، حيث تلقى منهم خلال الاربعين سنة الاولى من وجوده معونات بمعدل اربعة مليارات دولار سنوياً ” 4 مليارات دولار ” لقاء دور جندي حراسة اقليمي في مواجهة حركة التحرر العربي ودول المعسكر الاشتراكي سابقاً طبقا لما ورد على لسان سكرتير سابق لحلف شمال الاطلسي هو “جوزيف لانز” الذي قال: “كانت اسرائيل الجندي المرتزق الاقل كلفة في عصرنا الحديث”، الا ان التطورات اللاحقة المتعلقة بانهيار المعسكر الاشتراكي ومن بعد العدوان الامبريالي على العراق وما رافقه من تجميع اغلبية الانظمة العربية في شكل تحالف عسكري تحت الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية الأمريكية وقيام تلك الانظمة بقمع الحركات الشعبية العربية، كل ذلك حمل الولايات المتحدة التي وجدت نفسها القوة العالمية الاولى الاكثر نفوذا عسكريا واقتصاديا على اعادة النظر في دور الكيان في عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي يسيطر فيه السوق و قوانينه، وقد استوعب قادة الكيان من جانبهم مغزى التطورات العالمية والإقليمية الجديدة، وحاجة القوى المهيمنة الى اعادة ضبط الاوضاع في الشرق الاوسط بما يتلائم مع النظام العالمي الجديد، وحاجته الى تحويل دور الكيان من قاعدة عسكرية متقدمة للاسطول السادس في المنطقة الى قاعدة اقتصادية اقليمية متقدمة للشركات متعددة الجنسية الامريكية والأوروبية واليابانية المتلهفة لزيادة استثماراتها في المنطقة، الامر الذي ترجم في مؤتمر مدريد الى مشروعات اقتصادية اقليمية وثيقة الصلة بالسوق الدولي من حيث جلب المزيد من الاستثمارات وزيادة الانتاج من جهة وكسب اسواق جديدة لتصريفها من جهة اخرى. ولما كانت الاسواق العربية مغلقة بوجه المنتجات ورأس مال الكيان نتيجة للمقاطعة العربية، كان لا بد من التفكير والعمل على كيفية فتحها بانتهاج سياسة الانفتاح والتطبيع مع العالم العربي، الا ان استمرار المقاومة الفلسطينية وما ينشأ عنها من توترات اقليمية وتعاطف جماهيري عربي وإسلامي معها كان يشكل احد العقبات الرئيسية التي تعوق انتهاج سياسة الاعتراف والتطبيع العربي مع الكيان، لذلك توجب امريكيا وأوروبيا اختراع اكذوبة “عملية السلام” او “التسوية السياسة للصراع” التي لم يكن بالإمكان تصديقها إلا بانخراط الفلسطينيين فيها وإجرائهم مباحثات مباشرة مع الكيان الاستيطاني وتوقيعهم على اتفاقيات معه تسهل على دول المحيط الاقليمي العربي اتخاذ الاجراءات اللازمة لانهاء المقاطعة من جهة وبدء اجراءات الاعتراف والتطبيع من جهة اخرى، وصولاً الى الانخراط الجماعي مؤسساتيا معه في التبعية البنيوية للاقتصاد الرأسمالي المعولم، وكان بيريز احد مهندسي مشروع الشرق الاوسط والمعروف بمراوغته وقدرته على اخفاء نوايا الكيان قد اضطر الى الصراحة توضيحاً لفوائد المشروع على الكيان عندما قال: ” ان الهدف الاساسي لاتفاقيات اوسلو ليس الفلسطينيين وانما التطبيع مع العالم العربي و فتح اسواقه” وكنا قد شاهدنا بعد مؤتمر مدريد عام 1991 وتوقيع اعلان المباديء في اوسلو عام 1993، واجتماع القاهرة عام 1994، ان مؤتمراً اقتصادياً موسعاً قد عقد في الدار البيضاء استقبل فيه ممثلو الكيان بالأحضان، حيث تتالت بعده اجتماعات اللجان الثنائية والمتعددة الاطراف للطامحين في الانخراط في مشروع الشرق الاوسط.

وهكذا يتضح ان تطبيع علاقات الفلسطينيين مع الكيان مثلث حاجة ماسة لمصالح الكومبرادور العربي وأنظمته الغارقة في التبعية من جهة وتخريباً لمصالح حركة التحرر الفلسطيني والقومي العربي من جهة اخرى. إلا ان المقاومة الجماهيرية الفلسطينية والعربية استطاعت محاصرتها وافشالها على الرغم من استشراس الكومبرادور العربي والفلسطيني وسادتهم لإنجاحها.

إنجاز التحرر الوطني يقتضي مواجهة الهيمنة الأجنبية وليس بالتبعية لها

ان المراجعة النقدية الموضوعية لتجربة حركتنا الوطنية الفلسطينية المعاصرة تؤكد ان انخراط قيادتها المتنفذة في سياق ما يدعى بـ “عملية السلام” الاكذوبة وتوقيعها على اتفاقيات مع الكيان، لم ينتج عنها لنا سوى احباط وتخدير للقوى الحية في شعبنا وأمتنا وتفتيت لوحدتنا الداخلية، في حين ان المنخرطين فيها منذ كامب ديفيد السادات حتى الان لا يملكون من امرهم الا الصراخ والعويل مطالبين اسيادهم بتحريكها بعد ان امتنعوا هم ومنعوا غيرهم من أي حركة خارجها، على الرغم من عدم حصولهم على ارض الواقع سوى على حركة عكسية ارتدادية دمرت لهم كل الاسس التي انبنى عليها وهمهم في اقامة سلام عادل وشامل يعيد الحقوق لأصحابها كما ادعوا ويدعون. لقد اصبح حديثهم عن عملية السلام الموهومة وضرورة تحريكها ليس مثيراً للضحك والسخرية وحسب، بل للاشمئزاز والتقزز لدورانه في حلقة مفرغة مملة.

ومرة اخرى نفرض على انفسنا البقاء في دائرة حسن الظن فنقول: “إن تغييب قيادة الحركة الوطنية عن وعيها علاقة الترابط الضروري بين طبيعة بنية الكيان الاستيطاني العنصرية الاحلالية ووظيفته في تطويع المحيط الاقليمي لهيمنة صانعيه، جعلهم يقبلون حصرياً كموضوع لمفاوضتهم واتفاقهم معه، نتائج سياسته ذات الطابع الكمي الآني التي تطفو على سطح حركة الواقع من جهة اولى، ويغيبون الاسباب العميقة الكامنة في تلك الطبيعة المحركة لذلك الواقع غائيا من جهة ثانية، وبذلك تحول عندهم السياسي الى مطلبي والتاريخي الى آني عابر والمستقبلي الى لحظي والكيفي الى كمي، والجذري الى فرعي، والعميق الى سطحي، والكلي الى جزئي، كما تناسوا الدور الوظيفي للكيان اتجاه رعاته، فبالنسبة لرعاته الاوائل، قام الكيان بالعدوان على مصر عبد الناصر تمهيداً للتدخل العسكري البريطاني الفرنسي عام 1956، لإعادة سيطرتهما على قناة السويس، ومعاقبة له على تأييده لثورتي الجزائر واليمن الجنوبي، ولوقف توجهاته الوحدوية العربية مع سورية، ولمناهضتة سياسة الاحلاف العسكرية بدءا بحلف بغداد ومروراً بمبدأ ايزنهاور وصولاً الى معارضته للانزالين العسكريين البريطاني في الاردن والأمريكي في لبنان بعد ثورة تموز التحررية في العراق عام 1958، الا ان فشل العدوان الثلاثي الاستعماري على مصر وانهيار حلف بغداد قد أديا الى تراجع مركزي بريطانيا وفرنسا في الهيمنة على الشرق الاوسط لصالح الولايات المتحدة الامريكية التي تسلمت منهما موقع الراعي الاول للكيان ألاستيطاني والتي بدورها لم تتأخر كثيراً عن استخدامه لصالح هيمنتها، فدفعته للقيام بعدوان جديد عام 1967 لاحتلال ما تبقى من فلسطين استكمالاً لاستيطانها، ولاحتلال اراضٍ مصرية – شبه جزيرة سيناء، وأراضٍ سورية – منطقة الجولان – عقابا لهما على الاستمرار في سياستهما الوحدية التحررية من جهة اولى ولمقايضتهما تلك الاراضي المحتلة بدخولهما بيت الطاعة الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة، وصولاً الى تصفية القضية الفلسطينية وإخضاع المنطقة برمتها للهيمنة وإدماجها نهائياً في التبعية للسوق الرأسمالية المعولمة لصالح الشركات المتعددة الجنسية الأمريكية والأوروبية واليابانية من جهة ثانية.

سياسة الكيان نابعة من خصائصه البنيوية

هكذا يتبين ان سياسة الكيان ليست عفوية ولا هي تعبيراً عن نزعه فرديه لهذا القائد او ذاك او هذا الحزب او ذاك بل هي تجسيد لحركة بنيته التي تتميز بخصائص عضوية تلازمها منذ نشأتها وتوجهها نحو القيام بادوار وظيفية لصالح رعاتها كل في حينه. وغني عن البيان ان هذه الخصائص لا تنفرد بها بنية الكيان لوحدها، بل تشترك فيها مع بقية بنى الكيانات الاستعمارية الاستيطانية الاوروبية المماثلة لها في طريقة التكوين والتي سبقتها منذ قرون في كل من امريكا الشمالية وامريكا الجنوبية والوسطى وكذلك في شمال وجنوب وشرق القارة الافريقية في كل من جنوب افريقيا و نامبيا وانغولا وموزامبيق وزيمبابوي والجزائر وتونس وأوغندا وكينيا، وكذلك في استراليا ونيوزلندة، ونوجز هنا هذه الخصائص فيما يلي:

  • خاصية الانتماء المشترك لاطار تاريخي واحد هو الاطار الاستعماري الاوروبي
  • خاصية التميز والتمييز العنصري للمستوطنين تجاه السكان الاصليين لاقاليم الاستيطان
  • خاصية تمتع المهاجرين المستوطنين بحماية الدولة المستعمرة لاقليم الاستيطان
  • خاصية التجميع الاصطناعي للمهاجرين الى اقاليم تخضع لسيطرة دولة اوروبية مستعمرة
  • الخاصية العدوانية الملازمة لكيانات المستوطنين النابعة من حاجتهم الضرورية لانتزاع اراضي السكان الاصليين
  • خاصية التوسع الجغرافي الحتمي لكيانات المستوطنين المرتبط بازدياد تدفق المهاجرين الجدد و حاجتهم لارض السكان الاصليين
  • خاصية استخدام المستوطنين للعنف كوسيلة لاخضاع السكان الاصليين لسيطرتهم، في حالة استغلال قوة عملهم، ولنفيهم بالقتل والتدمير في حالة الحلول مكانهم.
  • خاصية انغلاق المستوطنين على ذاتهم وعزل السكان الاصليين والانعزال عنهم في حالة بقائهم لاستغلال قوة عملهم.
  • خاصية تعالي المستوطنين على السكان الاصليين واحتقارهم باعتبارهم ادنى منهم درجات عدة في سلم التطور البيولوجي والحضاري حسب زعمهم.
  • خاصية عداء المستوطنين المطلق لسكان المحيط الاقليمي ان وجد، طمعا في

استغلال ثرواته الطبيعية وقوة عمله البشرية، وللتوسع في مجاله الجغرافي.

  • خاصية تبعية الكيانات الاستيطانية لدولها الام التي رعت عمليات انشائها وأوجدت لها شروط التحول الى كيانات سياسية.
  • خاصية اشتراك المستوطنين الاستعماريين جميعاً في بنية فكرية تستند الى تحريف النصوص والمعتقدات الدينية، واستحضار اساطير تاريخية قديمة مزيفة، وتزوير مفاهيم علمية، بيولوجية، وسوسيولوجية لتشويه الوعي بحقيقتها، وتبريرا للسيطرة على السكان الاصليين وابادتهم عند الضرورة تحت مسميات كاذبة وخادعة تدعي التبشير للاديان حينا ولنشر الحضارة حينا اخر.

 

وتفيد المعرفة العلمية المستخرجة من التجارب التاريخية الحديثة لعمليات نشوء وتطور الكيانات الاستيطانية الاستعمارية الاوروبية خارج قارتها من حيث نتائجها النهائية على السكان الاصليين لاقاليم الاستيطان باستثناء الفاشل منها – في الجزائر وانغولا وموزامبيق، وكينيا واوغندا وتونس- أنها عرفت نمطين لا ثالث لهما:

النمط الاول :

وهو ما تنطبق عليه كل الخصائص الواردة اعلاه، والذي ندعوه اصطلاحياً بـــ “الاستعمار الاستيطاني الاستغلالي” لكون المستوطنين اضطروا للتعايش النسبي مع السكان الاصليين الذين قاوموا بشجاعة عمليات تصفيتهم الجسدية وتدمير حضارتهم واصروا على البقاء فوق ارض وطنهم. الا ان صيغة التعايش التي استمرت بين الطرفين قد ارتكزت على قاعدة سيطرة المستوطنين واستغلالهم للارض وللسكان الاصليين معاً، وقد شكلت هذه القاعدة مصدراً لنشوء التباين ومن ثم الاختلاف في المصالح وبالتالي في المواقف بين جماعة المستوطنين الذين اصبحوا يملكون رأس المال والسلطتين السياسة والاقتصادية من جهة، وبين مجتمع السكان الاصليين المجردين منها والمقتصرة ملكيتهم على قوة عملهم المأجورة من جهة اخرى، وعلى الرغم من ان هذا التعايش كان مشروطاً بعلاقات عدم المساواة الاقتصادية والسياسية، وبتطبيق نظم التمييز والفصل العنصري، الا ان البنى الاجتماعية لهذا النمط قد واصلت تطورها التدريجي نحو الوضع الطبيعي، حيث اخذ المستوطنون بالاندماج البطيء شيئاً فشيئاً مع السكان الاصليين، ونتيجة لهذا الاندماج الطوعي وما رافقه من عيش مشترك اصبح التناقض الاساسي في هذه البنى الاجتماعية الجديدة ينبع من علاقات الاختلاف في المصالح بين مالكي وسائل الانتاج من جهة وبين مالكي قوة العمل المأجور المنتج لفائض القيمة “القيمة الزائدة” من جهة اخرى، بعد ان كان ينبع من اختلاف الاصول الاثنية والعرقية لكلا الطرفين، هذا بالاضافة الى بقاء الكثير من الرسوبات السابقة وخاصة ما يتعلق منها بالبنى الفوقية، كالافكار والعادات والقيم الاجتماعية والمفاهيم السياسية والتكوين النفسي لذوي الاصول الاستيطانية، ويتجسد هذا الشكل الاندماجي بين المستوطنين والسكان الاصليين في الشعوب التي تقطن حالياً بلدان امريكا الجنوبية والوسطى، ومنطقة البحر الكاريبي، وكذلك في انغولا وموزامبيق، وسكان جنوب افريقيا بعد الاطاحة مؤخراً بنظام الفصل والتمييز العنصري، اما بالنسبة لحالة زيمبابوي “روديسيا الجنوبية سابقاً” فما زالت تشهد توترات عرقية بسبب اصرار المستوطنين الاوروبيين البيض “المدعومين اوروبياً وامريكياً” على الاحتفاظ بامتيازاتهم الاقتصادية المتمثلة في ملكيتهم لمزارع ومناجم ما زال يعمل فيها الافارقة اصحاب البلاد الشرعيين على الرغم من الاطاحة بنظام ايان سميث العنصري السابق.

النمط الثاني :

وندعوه على سبيل الاصطلاح ايضاً بــ “الاستعمار الاستيطاني الاحلالي” لكون المستوطنين قد تمكنوا “لأسباب يتعذر لضيق المكان ذكرها” بعد السيطرة على اقاليم الاستيطان من ابادة سكانها الاصليين جسدياً وتدمير حضارتهم نهائياً والحلول مكانهم، كما حدث للهنود الحمر فيما يعرف اليوم بالولايات المتحدة الامريكية ولقبائل السكان الاصليين في كندا واستراليا ونيوزلنده، وكما يعمل كيان المستوطنين الحاليين في بلادنا فلسطين، حيث اخرج بالعنف ثلثي شعبنا منها، وانتزع بالقوة المسلحة 93% من مساحتها وما تبقى من شعبنا يحشر قسرا في معازل عنصرية على غرار ما جرى للهنود الحمر في امريكا الذين وضعوا في محميات سهلت على المستوطنين ابادتهم النهائية وبشكل مقنن.

فقد اصدرت الجمعية التشريعية في انجلترا الجديدة في عام 1703 قانونا بدفع مكافأة مالية قدرها أربعون (40) جنيها استرلينياً عن كل قطعة من جلدة رأس مسلوخة مع شعرها لهندي احمر، وفي عام 1774 زيد مقدار المكافأة، الى مئة (100) جنيه إسترليني، وبهذه الطرق من الابادة المنظمة تقلصت اعداد السكان الاصليين من الهنود الحمر في امريكا الشمالية من عشرة ملايين الى 200 الف ساكن مع تدمير كامل لحضارتهم التي بدأت تعرف الزراعة قبل عشرة آلاف عام من غزو المستوطنين لها، وقد عوض المستوطنون الاستعماريون قوة عمل الهنود الحمر المبادة بقوة عمل الزنوج المستوردة من افريقيا لاستعبادها حيث ارتفع متوسط ثمن العبد الافريقي من 150 دولار في بداية القرن التاسع عشر الى الفي دولار عام 1860. ويقدر المؤرخون عدد سكان الهنود الحمر في بداية الغزو الاستعماري الاستيطاني الاوروبي لبلادهم بين 57 الى 80 مليون ساكن، كما يقدر ليوبولد سنغور رئيس جمهورية السنغال السابق عدد الزنوج الافارقة الذين وصلوا الى مستعمرات الاوروبيين الاستيطانية بين 10 الى 20 مليون زنجي، علما بأن كل محاولة للامساك بواحد منهم كان يموت حوالي عشرة افراد على اقل تقدير. هذا بالإضافة للوفيات التي كانت تحصل خلال عملية نقلهم في زرائب حيوانية “بمعنى استنزاف الطاقة البشرية الافريقية بين 100 الى 200 مليون انسان.” ولذلك يعتبر تاريخ الولايات المتحدة خاصة وتاريخ جميع كيانات الاستيطان في المستعمرات الاوروبية عامة هو في جوهره، تاريخ ابادة الهنود الحمر، وكل الشعوب الاصلية المبادة في تلك المستعمرات، مضافا اليه التاريخ الراهن للولايات المتحدة وهو تاريخ الهيمنة والاستغلال والعدوان العسكري على شعوب اسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، وكذلك تخريب التوازن البيئي على كوكبنا، وإفساد شروط الحياة عليه.

كما أن تاريخ الكيان الاستيطاني في فلسطين ليس سوى تاريخ تدمير للشعب الفلسطيني وحضارته  وعدوان على المحيط الاقليمي لتطويعه لهيمنة الراعي الامبريالي لهذا الكيان.

– خصوصية الكيان الاستيطاني الإحلالي في فلسطين

وانطلاقاً مما تقدم، اخذين بعين الاعتبار ما هو عام ومشترك بين كل التكوينات الاستيطانية الاستعمارية، والاحلالية منها على وجه الخصوص، ولما هو منفرد في كل تكوين على حدة، وإدراكاً لخصوصية التكوين الاستيطاني في بلادنا المتمثلة في كونه قاعدة طفيلية متقدمة للهيمنة العالمية، وظيفتها تطويع المحيط الاقليمي للمركز المهيمن في حينه.

ووعيا منا للعلاقة الشرطية بين الدور الوظيفي لهذا التكوين وخصائص بنيته المتمثلة في حتمية انغلاق تلك البنيه وانعزاليتها، وما يضفي عليه ذلك بالضرورة خاصية الطفيلية، وعدم القدرة على الانفكاك من التبعية لتلك المراكز. وتأكيدا لطبيعته تلك وتلبية لدوره الوظيفي واستنادا الى نتائج عدوانه عام 1967م الذي احتل بموجبه الكيان كل فلسطين، حيث اخضعها ارضا وشعبا لسيطرة وسيادة جيشه وقوانينه، الامر الذي مكنه من الاستيلاء على ما يقارب 93% من الارض واستكمال تشريد اكثر من ثلثي شعبنا منها. وما تبقى منه يحشر اليوم قسرا في معازل (كانتونات) إثنية منفصله عن بعضها، وتخضع لشروط أمنية غاية في القساوة، كالحد من حرية الحركة والالتحاق بالعمل ان وجد، وعدم القدرة على تحصيل وسائل العيش، ناهيك عن التعرض للاعتقالات والاغتيالات الممنهجة. كما يواصل مصادرة الارض وتجريفها، وخلع الاشجار وهدم البيوت والتحكم في مصادر المياه ومعابر الحدود دخولا وخروجا. هذا بالإضافة الى ممارسة الفصل والتمييز الإثني (الابارتهايد) المتمظهرة في كل جوانب الحياة وأبرزها بناء جدار الفصل الإثني الذي يقام قي الوقت الذي يشهد فيه عالمنا الراهن الغاء الحدود الجغرافية والحواجز الاقتصادية والثقافية بين الشعوب والدول، الامر الذي يؤكد انغلاق الكيان على نفسه وتكلسه، ويثبت حقيقة كونه يسير باتجاه معاكس لحركة المجتمع الانساني وتطوره التاريخي. وقد توج الكيان سياسته العدوانيه هذه بتطبيق سياسة الحصار الاقتصادي والتجويع، وصولاً الى إعلانه الرسمي عن ممارسة المحرقة على اهلنا في غزة هاشم التي اثبتت بدورها انها عصية بكل قواها المقاومة على سياسته النازية الجديدة.

شروط قدرة الكيان على القيام بوظيفته لرعاته

وإذا اضفنا الى ما تقدم ان قدرة الكيان -القاعدة- على القيام بدوره الوظيفي منوطة برجحان قوته على مجموع قوى محيطه، حيث ضمن له ذلك الراعي الامبريالي سابقا، وان ثمة بوادر اخذت تظهر في الافق تدل على امكانية عدم استمرار ذلك الرجحان في المستقبل، بدءاً بحرب اكتوبر عام 1973م ومروراً بعدوان عام 1982م وما تلاه من عجز امام المقاومة في فلسطين ولبنان واضطرار رعاته لخوض حربين عدوانيتين على العراق اعتمادا على قواهم الذاتية دون اشتراك مباشر للكيان الذي منى فيما بعد بهزيمة واضحة ومؤكدة امام المقاومة اللبنانية عام 2006م، وعجزه فيما بعد أمام المقاومة في قطاع غزة في 2008 و 2012.

وبذلك تتأكد بداية التآكل التدريجي ليس لدور الكيان الوظيفي الاقليمي لفرض هيمنة رعاته العسكريه وحسب بل وعجزه عن حماية نفسه، بدليل اضطرار هؤلاء الرعاة لاستحضار قوات اليونيفيل الدولية الى جنوب لبنان لحمايته وليس لحماية لبنان بالطبع.

وقد بات واضحاً الان انه من اكثر التناقضات حدة وتفاقما في منطقتنا تلك التي تتعلق بمستقبل الصراع مع الكيان وخاصة تأمين تجديد متطلبات استمرار رجحان ميزان قوته والذي اصبح يشترط بالضرورة منع التطور العلمي والتكنولوجي والتقدم الاجتماعي والاقتصادي لدول المحيط الاقليمي لإعاقة امتلاكها عناصر القوة التي تمكنها من الدفاع عن مصالحها وتحررها من الهيمنة والسيطرة الاجنبية بدليل تدمير الكيان للمفاعل النووي العراقي ثم تأييده القوي للحرب العدوانية على العراق التي دمرت بنيته العلمية ونهبت ثروته الحضارية والنفطية. هذا بالإضافة الى مواقفه الهستيرية المتشنجة لدرجة الجنون ضد البرنامج النووي السلمي الايراني وتهديده المعلن بتدميره، وكذلك قصفه مؤخراً لمنشأة علمية سورية.

ومن هنا يتبين على ضوء التجربة والوقائع الملموسة، ان خطر الكيان العنصري لا يقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، بل يمس المصالح الجوهرية لدول وشعوب المحيط الاقليمي وتطلعاتها نحو التقدم والتحرر وهذا ما يؤسس للترابط الموضوعي بين مصلحة الشعب الفلسطيني ومصالح شعوب ذلك المحيط في مواجهة خطر الكيان، وضرورة تفكيك بنيته الاستعمارية العنصرية والغاء دوره الوظيفي الاقليمي لصالح قوى الهيمنة العالمية.

 

يتبع ….
الحلقة الثالثة

 

متعلقات

الحلقة الأولى

الحلقة الثالثة

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الكلمات الدليلية

اترك رداً

الكاتب محرر الموقع

محرر الموقع

مواضيع متعلقة