التطبيع: المحاكمة الأولى في الأرض المحتلة مجالا ونوعاً (الحلقة الرابعة)

img

تحقيق هاني البرغوثي

مدير و محرر موقع نبض الوعي العربي

د.عادل سمارة ما زال يحاكم منذ أربعة سنوات لأنه ضد التطبيع

د.عادل سمارة ما زال يحاكم منذ أربعة سنوات لأنه ضد التطبيع

حينما تكون محاكمة غريبة و لأول مرة في أرض فلسطين العربية المحتلة ، و المدعى عليه يحمل قضية فلسطين منذ نعومة أظفاره،دفع ثمن أفكاره و قوميته و مقاومة المحتل أن يقضي سنوات من عمره خلف قضبان السجون في الأردن قبيل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة 1967، وسجون الاحتلال الصهيوني وحتى سجون السلطة في رام الله، و محاربته بأقل حقوقه في الوظيفة و اكتساب العيش من وظيفة ما يزرع لمن يجلسون على مقاعد تحصيل العلم فيحصدون نور العلم وحب الوطن حتى تحرير الوطن،انه الدكتور عادل سمارة في فلسطين الوطن الجريح ويجتهد أن يضمد هذا الجرح حتى الشفاء الكامل،و ذلك بتحرير فلسطين من المحتل ،يقاوم بسنان يراعه و مداد حبره الشريف التطبيع ،له مؤلفات عديده في نور المقاومة و ازالة الستار عن التطبيع و المطبعين.

كان لا بد لنا في “موقع نبض الوعي العربي” ان نتواصل مع الدكتور عادل سمارة حتى نستطيع توضيح كل ما في هذه المحاكمة لقراء الموقع و الأخوات و الأخوة الشرفاء المقاومين من الكتاب و السياسيين الذين يرفعون راية محاربة التطبيع .

سألت د. سمارة ما هي ملابسات دورك في المسألة؟ وقد كتب لي ما يلي:

” بداية، اشكرك على الإهتمام، وجوهر القضية هي الدعوة لدولة مع المستوطنين! وهذا يذكرني بمحاولات جميع من يتزلفون للعدو بالذهاب إلى حل “الدولة الواحدة” وهو ما أسميه “الاستقواء بالضعف” اي الارتماء تحت أقدام عدو يعتبر الكيان دولة يهودية نقية وفقط، وهؤلاء منذ بداية جلسات المحاكمة يوم 30 حزيران 2016 حاولوا تغطية الكيدية السياسية للمحكمة بما أن القضية هي التطبيع زاعمين سراً دون أن يواجهوني بأن القضية خلاف بين رجل وإمرأة! وهذا تشويه معيب يكشف بأن وهمهم بدولة واحدة هم انفسهم على قناعة بتهافُته. مسيرة المحكمة وصبرنا كشف كل شيء.

أوَّل علمي بالصرخة كان أن أرسل لي صديق فلسطيني في لبنان هو محمد العبد الله الرفاعي ، وهذا إيميله إن اردت الكتابة إليه. Alabdallah [email protected] أرسل لي محمد نص وثيقة بعنوان “نداء وصرخة من الأعماق” وهي مصاغة بخطاب ماركسي، تبين لاحقا أن كاتبها هو د. صبري إمسلم من قرية خاراس قرب الخليل، وهو شيوعي سابق ومحسوب في المجلس الوطني الفلسطيني على الجبهة الشعبية. كان سابقا في الجزائر. بالمناسبة قبل الصرخة بثلاثة أعوام جاء زارني وطلب مني مساعدة أكاديمية لإبنه في الجزائر وفعلت.

وبالمناسبة ايضا بعد افتضاح الصرخة وهي منشورة كورقة وثيقة يتبناها ويروج لها تجمع مركزه في لبنان واسمه “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” ويرأسه المشبوه د. يحي غدار، وقد نُشرت في 15 ايار 2015، باسم الرفيق أبو احمد فؤاد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية وفي موقع “العالمية”الإيراني وبعد الفضيحة جرى شطبها وأصدرت الجبهة بيانا تنفي علاقتها بالصرخة. وبعد الفضيحة ايضا ارسل لي صبري إمسلم رسالة شفهية مع إبن أخيه لإبني يزن يقول: أنا الآن عجوزا، وأريد أن اقضي بقية عمري مرتاح في خاراس”! عجيب! ولماذا تهي عمرك بوثيقة مشبوهة!!! طبعا، هو طُردبعد الفضيحة من اجتماع المؤتمر القومي العربي في بيروت على يد الرفيق د. عصام السعدي هو والمدعية حيث فضحهما د. عصام وذلك في شهادة د. عصام.

قال لي الصديق محمد عبد الله: “بدي رايك في هالوثيقة الملتبسة قرأتها 3 مرات حتى فهمتها”. قرأت الوثيقة ودهشت أنها تقوم على الطلب بدولة مع المستوطنين. وبالمناسبة كان ذلك في فترة حرق المستوطنين للطفل محمد ابو خضير، وعائلة دوابشة! كتبت له رايي.

قبل أن أُطلب للتحقيق عند مباحث السلطة يوم 29 حزيران 2016 بسنة أو أكثر جائني صديق من الخليل وقال لي إن عزمي بشارة يرتب لك مشكلة. وقد تبين لي لاحقا علاقة بين المدعية وعزمي وشخص آخر هو أحمد اشقر من بلدة إكسال في المحتل 1948 الذي كان يعيش في موشاف مزراع مع المستوطنين وشخص رابع لا أريد ذكر اسمه هو كان منسفهم في عمان.

قبل أن أُطلب للتحقيق اتصل بي شخص اسمه محمد وليد وقال لي اريد اللقاء معك. قلت من أنت قال انا من أمن جامعة بير زيت. قلت أمن وقائي؟ قال لا، أمن الجامعة (وكل هذا في إفادتي في المحكمة).قلت لماذا تريد لقائي قال ساخبرك. جاء إلى مكتبتي في القرية “اسميها القرمطية” هو وآخر اسمه محمد جميل وقالا لي أن المدعية وضعت قضية ضدك عند السلطة. قلت وما شأنكما في ذلك؟ قالا لأننا نريد ان نعرف عنها فهي ترسل اشخاصا للخارج ويتم التحقيق معهم حين يعودوا. قلت هي غير مريحة.

بعد جلسة المحكمة الأولى 30 حزيران 2016، كتب لي محمد جميل على الفيس (وهذا موثق) : دكتور “بدي اقعد معك للضرورة” والتقينا في مكتب كنعان، اعتقد يوم 9 تموز 2016، وقال لي أن المدعية طلبت منه ان يتصل بها هاتفيا ويهددها على أنه عادل سمارة. قلت له وهل ستشهد في المحكمة ؟ قال نعم. قلت ولكن لماذا تتعب نفسك من أجلي؟ قال انت كاتب ومناضل…الخ. قلت له، أنا لا يوجد عندي ما أقدمه لك سوى أن اساعدك بأن تسجل في جامعة بير زيت للماجستير اساعدك اكاديميا، دون أن يعرف من سيشرف عليك لأن الجامعات ترفض تشغيلي وأنا كثيرا ما اشرف على طلبة ماجستير ودكتوراة دون أن يعرف من يشرفون عليهم، وأعطيته هاتف د. سوسن مروة في الجامعة واتصل بها (كما كتب لي) وبعدها لم يذهب واختفى وحين عاودت الاتصال به رفض ان يشهد! ومنذ 3 جلسات للمحكمة محمد وليد ومحمد جميل مطلوبين للشهادة ويتغيبان!” كما سيطلب محاميان الدفاع الأستاذ مهند كراجة والأستاذ ظافر صعايدة، السماع لفيديو شهادة د. ربحي حلوم الذي كتب البيان ضد الصرخة والذي ارتكزت عليه المدعية بأنني كتبته واهاجمها، وهذا غير صحيح حيث أنني وافقت على البيان ووقعت عليه. فيديو د. حلوم يشرح كل شيء.

إلى هنا ينتهي حديث د. سمارة. وسيقوم “موقع نبض الوعي العربي بنشر الصرخة المذكورة وما يتعلق بالقضية على حلقات.

 

تتمة صرخة وطنية ونداء من الاعماق

 

انه لهدف صعب التحقيق لكنه انساني نبيل يستحق التضحية

ومتى كانت القفزات النوعية في التاريخ تحدث من تلقاء نفسها؟ ومتى حدث ان تنازل الظالمون عن ظلمهم طوعاً للمظلومين؟ ومتى تقاعس الاحرار في التاريخ الانساني عن دفع ضريبة الحرية التي لم تقدم لهم يوماً على طبق من ذهب؟

ان كفاحنا لتغيير واقعنا جزء من صيرورة الكون الذي نعيش فيه بشقيه الفيزيائي والحيوي الاجتماعي التي تتضمن:

حركة دائمة، عدم ثبوت عند نقطة معينة، تكوٌن، ولادة، تطور، تغير. نعم لا ثبوت في هذا الكون المتحرك دوماً بقنونة. لقد اندثر كل الذين حاولوا عبثاً وقف حركة التغير التقدمي في التاريخ الانساني حاملين معهم لعنة الاجيال اللاحقة.

ولذلك كله نؤمن وندعو ونقاوم مع شعبنا وقوى التحرر القومية والإقليمية لإنجاز هذا التغيير الذي لن يحدث من تلقاء نفسه ، بل بواسطة تصعيد كفاحنا الضاري ومقاومتنا بجميع أشكالها المؤدية إلى إحداث تغيير في ميزان القوة وخلق حالة توازن الردع بحيث يصبح تحقيق أمن المستوطنين مشروطاً بتجريدهم من وضعهم الاستعماري الاحلالي وسماتهم الانعزالية الانفصالية وحرمانهم القانوني من الترويج لثقافة الاستعلاء والكراهية والحقد على الغير وخاصة على شركائهم في المواطنة المتساوية مع السكان الفلسطينيين(الأصليين) وإلغاء كل حالات التمييز والتمايز عن الآخرين في الحقوق والواجبات وفك الارتباط مع الهيمنة الامبريالية والرجعية الإقليمية. إن وضعاً كهذا سوف يساعد شعبنا على نيله لجميع حقوقه المتساوية مع حقوق كل من يقيم على كامل تراب فلسطين الانتدابية الموحدة ، وعودة اللاجئين إلى وطنهم وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم وبممتلكاتهم خلال فترة تغييبهم القسري عنها كما سيحول فلسطين من بؤرة للتوسع والعدوان المتواصل على محيطها إلى واحة للحرية والصداقة والتكامل الإيجابي مع كل المحيط القومي والإقليمي.

ونظرا لما يجري اليوم على أرض فلسطين التاريخية من تصعيد لهمجية الكيان الاستيطاني وبربريته وإيغاله في القتل والتدمير الممنهجين لجميع نواحي حياة شعبنا المادية والروحية مستخدمين في ذلك أحدث الأسلحة الفتاكة ، فإن القوى الحية في شعبنا وعلى رأسها الشبيبة المنتفضة لا تملك إلا أن تتصدى وتقاوم أجهزة الكيان وعصابات مستوطنيه فيما تمتلكه من أبسط الأدوات (الحجر والسكين) وبالصدور العارية بحيث يرتفع لديها يوماً بعد يوم منسوب الشجاعة والتضحية ، محققة البطولات على كامل تراب فلسطين متجاوزة بذلك حدود اتفاقيات الإذعان والاستسلام. وفي هذا إشارة إلى وجود تبلور جديد متسارع في المواقف والأفعال لدى شبيبتنا بما يتماشى مع ما يجري من استقطاب للقوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية الحاصل الآن محلياً وإقليمياً وقومياً وعالمياً ينعكس ذلك في الصراعات العنيفة المحتدمة حالياً فيما بينها طبقاً لمصالحها وخاصة في وطننا العربي.

أما بالنسبة للقيادة الفلسطينية المتنفذة تعسفاً واغتصاباً فقد واصلت السير في خياراتها الأنانية الخاصة بها المتعارضة مع مصالح شعبنا في التحرر والمساواة وبناء الدولة الديمقراطية التقدمية على كامل ترابنا الوطني التاريخي من خلال إيغالها في التموضع ضمن القطب الامبريالي الرجعي وتوابعه واستمرار تمسكها بالاتفاقات الاستسلامية مع العدو ومخرجاتها السلطوية القهرية لشعبنا والتنسيقية مع أجهزة العدو لحفظ أمنه. كما واصلت ارتباطها بالرباعية الدولية تحت قيادة طوني بلير الأكثر إخلاصاً في تمثيل مصالح الامبريالية الجماعية (أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية) ورأسمالها المعولم.

وسيثبت المستقبل كما أثبت الماضي أن القيادة الفلسطينية التي اختارت التموضع كذيل تابع في القطب الامبريالي الرجعي العربي إنما تسير معه إلى الزوال في مزبلة التاريخ. وإلا كيف نفسر وقوفها المعلن الأخير بالفم الملآن إلى جانب الرجعية السعودية الأكثر تبعية وتخلفاً ودعماً بالمال وبالسلاح لعصابات التكفير الظلامية التي تقتل وتدمر بهمجية ووحشية لا نظير لها في سورية والعراق وغيرها من الأقطار العربية الأخرى ، في حين يعالج جرحاها في مستوطنات جيش المستوطنين.

وهنا تتساءل أي مصلحة لتحرر شعبنا الفلسطيني من العدوان السعودي على الشعب العربي في اليمن الشقيق وتدمير بنيته التحتية كدولة وكشعب وكنوز الحضارة التي بنتها أيادي الأجيال العربية السابقة في مأرب وبين النهرين وتدمر وغيرها. وأين هي طائرات السعودية وصواريخها وقنابلها العنقودية مما يجري في فلسطين وخاصة في القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك.

ومقابل ذلك سيثبت المستقبل أيضاً أن القوى الحية الوطنية حقاً ، وعلى رأسها شبيبتنا المنتفضة ، التي اختارت التعبير عن المصالح العليا العامة لشعبنا قد تموضعت (بخلاف القيادة) ضمن القطب المناهض الاستعماري الرجعي من خلال تصديها الشجاع المتصاعد ضد إرهاب الكيان الاستيطاني ووحشية أدواته التدميرية ، مسترشدة بقانون الدفاع الشرعي عن النفس وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. وبذلك فهي سائرة مع هذا القطب النقيض (للأول) إلى المستقبل المشرق لشعبنا ولكل الشعوب المظلومة المكافحة من اجل الحرية والتقدم في العالم أجمع. فهذه سنن التطور المحكوم بصراع المتناقضات بين القديم السائر الى الزوال والجديد الآخذ في النمو والازدهار. وبناء على ما تقدم يصبح واضحاً ان اختلاف مواقع تموضع  كل من الفريقين المذكورين أعلاه في الساحة الفلسطينية هو منبع اختلاف المواقف الفكرية والسياسية وبالتالي الممارسة العملية بينهما على أرض الواقع في فلسطين التاريخية ومحيطها القومي والإقليمي والعالمي.

وبهذه المقاربة العلمية لبنية وصراع المتناقضات ومصالح القوى المنخرطة فيه فالاتجاه العام لحركة سيره نحو المستقبل ، تصبح النظرة لتركيب ميزان القوى لا تقتصر على حركة أطرافه المحليين داخل فلسطين فحسب بل تتعداه وصولاً إلى الأطراف الإقليمية والدولية بحكم الترابط العضوي والتأثيرات المتبادلة بين مصالح هذه الأطراف كافة. ومع نشوء وتعاظم قوة المقاومات الشعبية داخل فلسطين ومحيطها وتطور قوة بعض الدول الإقليمية المتحررة ، أخذ ميزان القوة يفقد رجحانه لصالح العدو شيئاً فشيئاً إلى أن وصل إلى وضع الميلان لصالح قوى التحرر والانعتاق من الهيمنة ، حيث تأكد ذلك خلال حروب الكيان العدوانية المتكررة على لبنان وغزة ابتداء بعام 2006 وما بعدها. ونتيجة لذلك نشأ في منطقتنا ما يعرف ب (جبهة الممانعة).

ونظراً لكون هذا الوضع الناشيء الذي يتعارض مع السياسة الكونية للثالوث الرأسمالي الأكثر تطوراً في العالم ، الأوروبي الياباني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الذي استطاع رأسمالهم المعولم نهب ثروات العالم والسيطرة على 80% من اقتصاده في حين ان سكانه لا يتجاوزون العشرين بالمئة من سكان العالم. كما احتكر ملكية التقنية العالية التطور كبرامج المعلوماتية والتقنية النووية وأسلحتها وشبكة الاتصالات العالمية (الأنترنت) وحركة التدفقات المالية عبر العالم ومصادر الثروة الطبيعية العالمية وخاصة مصادر الطاقة النفطية والغازية. كما استفاد من انهيار الاتحاد السوفييتي فبسط نفوذه على أوروبا الشرقية وفتت وحدة يوغوسلافيا بالعدوان المسلح عليها. كما قام بالاحتلال العسكري للعراق وأفغانستان وليبيا التي تفتت هي الأخرى وانتشرت فيها عصابات الاجرام والتكفير الظلامية مستولية على أسلحة النظام السابق ونشره من خلال جماعاتها المتعددة في المحيطين الأفريقي والشرق أوسطي.

إضافة إلى أن هذا الثالوث كان قد أقام استقطاباً ثنائياً حاداً بين الغنى والفقر على الصعيد العالمي ضمن فيه لقطبه نسبة تعادل 60 مقابل 1 للقطب الآخر الأكثر فقراً والذي يتراوح عدد سكانه 80% من سكان العالم كما أشرنا سابقاً أعلاه.

أما المنظمات والمؤسسات الدولية فلم تفلت من سيطرة الثالوث الامبريالي عليها وتعطيل عمل مؤسساتها وتجاوز الالتزام بمواثيقها مستعيضاً عنها في ذلك بأداته العسكرية العدوانية حلف شمال الأطلسي الذي تجاوزت صلاحياته في سورية حدوده الإقليمية وأصبحت عالمية فتمدد شرقاً بواسطة أحد أعضائه ، تركيا ، إلى نهاية حدوده المتخامة لشمال الجمهورية العربية السورية والتي كانت حكومتها قد رفضت الانخراط في مشروع الشرق الأوسط الجديد المنوي إقامته والتابع عملياً لسيطرة ذلك الحلف. وليس من قبيل الصدفة أن توافق الموقف السوري هذا مع الموقف الإيراني الذي كان قد تعرض هو الآخر للمقاطعة والعقوبات من قبل الدول الإمبريالية بسبب مواقفه التحررية والممانعة لسياسة تلك الدول الإلحاقية ، المعبر عنه باللقاء الثلاثي نجاد والأسد ونصر الله.

وبحكم موقع سورية الجغرافي المتاخم لتركيا فإن موقفها السياسي الإستقلالي شكل عقبة كأداء أمام تمدد حلف الأطلسي جنوباً وبذلك أعاق بسط سيطرته على كامل الشرق الأوسط وثرواته وخاصة النفطية منها والغازية وجغرافيته المناسبة جداً لتقريب وتسهيل وتقليل نفقات نقل تلك الثروات بالأنابيب إلى أوروبا.

وبناء على ما تقدم أصبح استبدال النظام الوطني الممانع في سورية بنظام آخر يلتحق بركب السياسة الإمبريالية أو تفتيتها مسألة غير قابلة للتأجيل. لهذا دعت أمريكا أتباعها في الشرق الأوسط إلى عقد مؤتمر دولي في تركيا تحت مسمى “أصدقاء سورية” تزييفاً راوح عددهم 140 دولة حيث أقروا التدخل العسكري في سورية وأخذوا بتجميع وتدريب وتسليح عشرات الآلف من أكثر الناس تخلفاً ورجعية وظلامية وهمجية. وزادوا في شحنهم بمشاعر الحقد والكراهية لكل ما هو إنساني وعقلاني في العالم ، وعبؤوا رؤوسهم بالأساطير الدينية المزيفة والمذهبية الوهابية التكفيرية. وزجوا بهم داخل الجغرافيا السورية متكاملين في تخريبهم مع الرجعية الداخلية السورية. كما أخذت الدول الرجعية النفطية في الخليج بمد هذه الجماعات بالمال والسلاح والفضائيات الإعلامية. أما تركيا الأطلسية الإسلاموية فقد اضطلعت بدور رئيسي مميز وحاسم في دعم هذه الجماعات من خلال التدريب والتسليح وفتح حدودها المتاخمة لسورية ، التي أخضعت مصانعها في حلب ومحيطها للتفكيك والنقل وبترولها المسروق مع مخزون آثارها التاريخية عبر الحدود التركية ، هذه التي أعلنت عن مطامعها التوسعية في سورية التي أصبحت مسرحاً لحرب عالمية ثالثة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

إلى أن سورية المستقلة وطنياً والممانعة إمبريالياً استطاعت بواسطة جيشها العربي عقائدياً وشعبها القومي الأصيل  وقيادتها الحكيمة الصلبة الصمود وصد العدوان وإفشال أهدافه مدة من الزمن تقارب الخمس سنوات وهو ما يعادل مدة الحرب العالمية الثانية. كما أن موقف المقاومة اللبنانية الداعم والمشارك إلى جانب الجمهورية الإيرانية وروسيا الاتحادية له دور عظيم في هذا الصمود الأسطوري الذي سيسجل في الصفحات الناصعة للتاريخ في المستقبل.

وإذا استحضرنا إلى هذا المشهد الذي نحن بصدد رسم خطوطه ، نجاح المقاومة اللبنانية في تعطيل وظيفة كيان المستوطنين الإقليمية في شمال فلسطين المحتلة لصالح رعاته عام 2006 ، والمقاومة الفلسطينية في جنوبها ، وانتصار المقاومة الشعبية على قوات الغزو الإمبريالي عسكرياً في العراق الشقيق ، مضافاً إلى ذلك اندلاع المقاومة الشعبية الباسلة في اليمن الشقيق ضد حرب التدخل والعدوان الصهيو ـــــ رجعي ــــ عربي بإشراف أمريكي بيافطة سوداوية سعودية قاطمة ، لوجدنا أن هذا الصراع المتفجر محلياً وإقليمياً يتمفصل موضوعياً على ما يجري في عالمنا الراهن ، حيث اندلعت أزمة اقتصادية جذرية عميقة في مراكز الثالوث الرأسمالي العالمي مبتدأة برأسه الأمريكي الذي انهارت مؤسساته المالية العملاقة المتخصصة بتسليفات الرهن العقاري في شباط فبراير 2007 أولاً ، ثم تتابع مسلسل الانهيارات والإفلاسات وشمل أضخم المصارف ، التي بلغ عددها عام 2009 قرابة 115 مصرفاً ، وشركات التأمين العملاقة ، وعدد كبير من الشركات المتعددة الجنسيات الأمر الذي اضطر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية إلى دعم تلك المؤسسات بما يقارب 23 ترليون دولار كتكاليف لإنقاذها من جيوب دافعي الضرائب وصناديق التقاعد.

كما انتشرت الأزمة في العالم أجمع وخاصة في الدول الصناعية ، تحولت لاحقاً إلى أزمة بنيوية لمجمل النظام الرأسمالي العالمي تمظهرت في ارتفاع عجز الموازنات الحكومية وتضخم الدين العام لأغنى عشرين دولة بحيث ارتفع من 31.620 ترليون دولار وهو ما يعادل %66 من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول إلى ما يزيد عن 40 ترليون دولار وهو ما يعادل 84% من الناتج الإجمالي لتلك الدول.

أما في الولايات المتحدة المعقل الرئيسي للراسمالية العالمية فقد تجاوزت نفقاتها أكثر مما تنتج ب 600 مليار دولار أي 6% عام 2010 ودينها العام اقترب من 119% من ناتجها الإجمالي العام. كما أن العجز في ميزانيتها فقد بلغ 11.2% من ناتجها الإجمالي وبلغت نفقات الدفاع عام 2011 ، 768 مليار ، الأمر الذي دفع أحد قادة القوات العسكرية السابقين للقول: ( إن أكبر خطر يواجه الأمن القومي الأمريكي هو العجز في الميزانية والدين العام لكون ذلك يؤثر على قدرة الولايات المتحدة على الهيمنة العسكرية على العالم). وهنا يجدر الإشارة أن الامبراطورية الاسبانية والبرتغالية والفرنسية والبريطانية قد انهارت عندما أصبح إجمالي نفقاتها أكثر من انتاجها مما أدى إلى تراكم ديونها وعدم قدرتها على سدادها فأفلست ثم انهارت.

أما أوروبا ، وهي المعقل الثاني للراسمالية العالمية ، فقد تجاوزت الانهيارات والإفلاسات نطاق المؤسسات المالية والاقتصادية الخاصة بحيث شملت الدول. فأعلنت اليونان عن إفلاسها وتقترب إيرلندا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا من ذلك المصير ، كما تراجعت مقدرة بريطانيا وفرنسا على الاستمرار في تقديم الخدمات الاجتماعية حسب مستوياتها السابقة.

أما بالنسبة لحرية السوق الرأسمالية المتوحشة وعولمة الرأسمال بواسطة الشركات المتعددة الجنسية التي حققت خلال العقود الثلاث الأخيرة (قبل الأزمة الاقتصادية) ازدهاراً كبيراً وأرباحاً طائلة من وراء استثماراتها في جميع أنحاء العالم من خلال حرية تبادل منتجاتها وانتقال رؤوس أموالها دون رسوم جمركية ، فبلغت أرباحها 16 ترليون دولار ، وهو ما يزيد على حجم التجارة الخارجية العالمية. إلا أن هذه الشركات قد تأثرت جدياً بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية فتعرضت هي الأخرى من حيث المصالح والبنية للانهيار والافلاس وأجبرت على إغلاق معظم فروعها في بلدان الانتشار واضطرت للرجوع إلى كنف بلدانها الأم طلباً لمساعدة حكوماتها أسوة بالمؤسسات والمصارف الأخرى المنهارة والمفلسة.

كما أن اليابان ، المعقل الثالث للرأسمالية العالمية لم يسلم من هذه الأزمة العالمية. وعلى سبيل المثال وليس الحصر فقد أعلنت أكبر 33 شركة عن إفلاسها وتضاعف دينها العام إلى 200%.

إن التاريخ الإنساني عبر مراحله المختلفة يؤكد الترابط العضوي بين الاقتصاد والسياسة بحيث كان يتمخض عن كل أزمة اقتصادية ارتفاع كفاح الكادحين ضد مستغليهم من جهة وتصاعد القمع الفاشي وصولاً للحروب العدوانية على الكادحين من جهة أخرى. وعلى سبيل المثال وليس الحصر الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 التي أدت إلى صعود النازية في ألمانيا ووصول هتلر إلى سدة الحكم والفاشية في إيطاليا ووصول موسوليني إلى السلطة والفاشية التوسعية اليابانية في جنوب شرق آسيا. وقد تحالفت هذه القوى الثلاث للإطاحة بهيمنة القوى الاستعمارية التقليدية على العالم والحلول مكانها فأعلنت الحرب العالمية الثانية التي كانت نتيجتها مدمرة على الإنسانية مادياً وبشرياً. إلا أن نتائجها لم تكن لصالح من أعلنها بل نشأ عنها استقطاب ثنائي عالمي للقوة ساعد على صعود حركات التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية التي حققت انفصال أقطارها عن السلطة الاستعمارية التقليدية والتي نشأ على أثرها حركة عدم الانحياز.

وهكذا نرى أن الحرب العدوانية الوحشية على العراق وسورية واليمن ليست مجرد مؤامرة كما يصورها البعض بل هي نتيجة حتمية لمصلحة الثالوث الإمبريالي التقليدي في الحفاظ على سيطرته وتعميقها ومواصلة نهب خيرات الشعوب ومنع تحررها بعد أزمته الاقتصادية البنيوية المزمنة ولمنع وصول أمم كبيرة مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل أو أي تحالف إقليمي في العالم إلى وضع شريك فاعل في تشكيل نظام عالمي جديد حتى لو كان رأسمالياً.

هذا هو الوجه الأول باختصار شديد من المشهد الاقتصادي الاجتماعي السياسي العالمي المتمثل في المراكز الثلاث التقليدية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي استحوذت على نسبة 80% من الثروة والانتاج العالمي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، في حين أن سكانها الأكثر غنى لا يبلغون أكثر من 20% من سكان العالم على زيادة مضطردة في نسبة اللامساواة في مستوى المعيشة والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لصالحها. ففي حين كانت هذه النسبة في عام  1800 (1 مقابل 2 ) ارتفعت عام 1900 إلى (1 مقابل 20) ثم ارتفعت عام 1945 إلى (1 مقابل 30) وفي مرحلة نمو ما بعد الحرب العالمية الثانية ارتفعت إلى (1 مقابل 60) أما اليوم فتبلغ هذه النسبة أرقاماً خيالية. والسبب في ذلك يعود إلى أن الرأسمالية منذ بدايتها كانت وما زالت استقطابية بين الغنى الفاحش للأقلية والفقر المدقع للأكثرية الساحقة من سكان كرتنا الأرضية. فتاريخ الرأسمالية الحقيقي أثبت صحة فعل قانون التطور الغير متوازي (غير متكافىء) الذي تحكم وما يزال في حركة نموها وتوسعها. لذلك فعملية الاستقطاب فيها لم تنشأ في مرة واحدة وإلى الأبد بل تتغير باستمرار تحت تأثير فعل قانونها الأساسي هذا.

أما الوجه الثاني للمشهد الاقتصادي الاجتماعي السياسي العالمي فلم يتكون خارج تأثير فعل هذا القانون بل جزء عضوي من المخرجات التي أفرزتها التناقضات المرتبطة بفعله. فالرأسمالية المفطورة على التوسع وحروب العدوان لتحقيق المزيد من الأرباح والتي تنخرها الأزمات الاقتصادية الدورية ، السطحية الآنية منها والعميقة ذات البعد تاريخي ، تخضع باستمرار لعمليات إعادة إنتاج الاستقطاب من جديد. وفي هذا السياق يقع الاستقطاب الثنائي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليه من تصاعد في حركات التحرر الوطني التي أنجزت الاستقلال عن الاستعمار القديم في كل من آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. فنشأت في بعضها دول فتية وازنة جغرافياً وديموغرافياً حققت فيما بعد نسب نمو مرتفعة رغم محاولات الثلاثية الامبريالية عرقلة ذلك. وفي طليعة هذه الدول الفتية الصاعدة تقف الصين والهند والبرازيل وروسيا الاتحادية بعد تجاوزها آثار تفكك الاتحاد السوفييتي ، وكذلك جنوب أفريقيا. هذا وقد أصبح يطلق عليها مجتمعة مصطلح (البريكس). ويشير المشهد الاقتصادي العالمي إلى أن انتاج هذه الدول يشكل ثلث الناتج الإجمالي العالمي كما أنها تمتلك أكثر من خمسة ترليون دولار إحتياطي من العملات الأجنبية ، إضافة إلى أنها أقل اعتماداً على القروض الأجنبية. وأن لديها حالات عجز أقل في الحساب الجاري مما هو عليه الحال في البلدان الرأسمالية التقليدية المعروفة ، وتملك أكبر نسبة نمو اقتصادي في العالم. وكان أول لقاء بين زعماء هذه المجموعة عام 2008 على هامش لقاء قمة الثمان في جزيرة هوكايدو اليابانية. إلا أن الاجتماع التأسيسي الأول لرؤساء دول المجموعة الأربع عقد في روسيا عام 2009 حيث تضمن الاعلان الصادر عنه دعوة لتأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية وصولاً إلى التعددية القطبية المؤدية إلى المزيد من دمقرطة العلاقات الدولية والالتزام في قواعد القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة. علماً أن جنوب إفريقيا قد انضمت إليها عام 2010. ومن المعلوم أن مساحة هذه الدول تشكل 40 مليون كيلو متر مربع أي ربع مساحة اليابسة على الأرض. وأن عدد سكانها يقارب 43% من سكان العالم كما تشكل هذه الدول واحدة من أضخم الأسواق في العالم وأسرع اقتصاداته نمواً.

وفي اجتماع قادة دول البريكس في مدينة ديربان في جنوب إفريقيا عام 2013 صدر عنه قرارات اقتصادية هامة تعالج علاقاتهم البينية وعلاقاتهم بجميع الدول والشعوب الأخرى. كما اتفقوا على إنشاء مؤسسات مالية واقتصادية وإعلامية وأخرى للاتصالات خاصة بهم وذات طبيعة عالمية تساعد على التحرر من سيطرة وتحكم المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها الامبريالية الدولية. أما على الصعيد السياسي فقد أعلنت القمة أنها تهدف إلى وضع حد إلى سيطرة دولة واحدة على العالم.

أما فيما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط فقد ورد أن دول البريكس:

  1. ترفض عسكرة النزاع في سورية وتدعو إلى حله بالطرق السلمية.
  2. تعتبر بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 باطلاً ومخالفاً للقانون الدولي ، ومخلاً بقواعد الشرعية الدولية.
  3. تعارض إستخدام القوة ضد إيران وتقر بحقها في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
  4. تعارض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
  5. تدعو للتعاون مع الأمم المتحدة وعدم تجاوز ميثاقها.

وهكذا يتبين أن الأزمة الاقتصادية العالمية للرأسمالية وما يرافقها من حرب عالمية على الوطن العربي وأمته وخاصة في سورية والعراق وليبيا واليمن تشير إلى أن العالم يقف أمام منعطف تاريخي يعاد فيه توزيع القوة بين أقطاب متعددة ، منها الصاعدة ومنها الآخذة في الهبوط ، يحكمها نظام عالمي جديد في طور التكوين تختفي فيه سيطرة دولة واحدة. وعلى الشعوب المكافحة من أجل الحرية والمساواة وكافة قوى التحرر والتقدم في العالم أن تتوحد لجعل مضمون هذا النظام يستجيب لمصالحها.

أما بالنسبة لكيان المستوطنين الذي ما زال يتشبث بالأساطير القديمة البالية المنافية لروح العصر وبأوهام القرن التاسع عشر الاستعمارية التي تبخرت مع انهيار الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية وان وظيفته الهيمنية الراهنة لصالح الامبريالية الأمريكية قد تآكلت ، ولذلك فإن مكابرة الكيان وإيغاله في الإرهاب والقتل بحق شعبنا وطليعته الشبيبية المنتفضة لن يحقق دوام وجوده لكون المبرر التاريخي لكيفية هذا الوجود الاستعماري قد انتهت ، وأن عليه أن يخلي المكان لكيفية جديدة من الوجود على أرض فلسطين الموحدة والمجردة من الفصل والتمييز العنصري وكافة أشكال الامتيازات.

إضافة على السطر الأول بعد الوقائع التاريخية الملموسة ص 30 : أن مصير فلسطين قد ارتبط عضوياً بمصير محيطها القومي أثناء الغزوات الأجنبية المتتالية عليه سواء خلال سيطرتها أو بعد اندحارها عنه.

 

 

يتبع ….
الحلقة الخامسة

 

متعلقات

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة

الحلقة الخامسة

الكاتب محرر الموقع

محرر الموقع

مواضيع متعلقة

5 تعليق على “التطبيع: المحاكمة الأولى في الأرض المحتلة مجالا ونوعاً (الحلقة الرابعة)”

  1. عادل سمارة

    أشكرك عزيزي محرر الموقع على التزامك الوطني. لقد اسعدني تبنيك للموقف ضد التطبيع مما يؤكد أن القضية ليست محاكمتي كشخص بل وجوب مواجهة المطبعين/ات وهم يتناسلون كالأميبيا.

اترك رداً

*

code