نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

التطبيع: المحاكمة الأولى في الأرض المحتلة مجالا ونوعاً (الحلقة الثالثة)

img

تحقيق هاني البرغوثي

مدير و محرر موقع نبض الوعي العربي

 

تكاثف الجهود ضد التطبيع و المطبعين

حينما تكون محاكمة غريبة و لأول مرة في أرض فلسطين العربية المحتلة ، و المدعى عليه يحمل قضية فلسطين منذ نعومة أظفاره،دفع ثمن أفكاره و قوميته و مقاومة المحتل أن يقضي سنوات من عمره خلف قضبان السجون في الأردن قبيل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة 1967، وسجون الاحتلال الصهيوني وحتى سجون السلطة في رام الله، و محاربته بأقل حقوقه في الوظيفة و اكتساب العيش من وظيفة ما يزرع لمن يجلسون على مقاعد تحصيل العلم فيحصدون نور العلم وحب الوطن حتى تحرير الوطن،انه الدكتور عادل سمارة في فلسطين الوطن الجريح ويجتهد أن يضمد هذا الجرح حتى الشفاء الكامل،و ذلك بتحرير فلسطين من المحتل ،يقاوم بسنان يراعه و مداد حبره الشريف التطبيع ،له مؤلفات عديده في نور المقاومة و ازالة الستار عن التطبيع و المطبعين.

كان لا بد لنا في “موقع نبض الوعي العربي” ان نتواصل مع الدكتور عادل سمارة حتى نستطيع توضيح كل ما في هذه المحاكمة لقراء الموقع و الأخوات و الأخوة الشرفاء المقاومين من الكتاب و السياسيين الذين يرفعون راية محاربة التطبيع .

سألت د. سمارة ما هي ملابسات دورك في المسألة؟ وقد كتب لي ما يلي:

” بداية، اشكرك على الإهتمام، وجوهر القضية هي الدعوة لدولة مع المستوطنين! وهذا يذكرني بمحاولات جميع من يتزلفون للعدو بالذهاب إلى حل “الدولة الواحدة” وهو ما أسميه “الاستقواء بالضعف” اي الارتماء تحت أقدام عدو يعتبر الكيان دولة يهودية نقية وفقط، وهؤلاء منذ بداية جلسات المحاكمة يوم 30 حزيران 2016 حاولوا تغطية الكيدية السياسية للمحكمة بما أن القضية هي التطبيع زاعمين سراً دون أن يواجهوني بأن القضية خلاف بين رجل وإمرأة! وهذا تشويه معيب يكشف بأن وهمهم بدولة واحدة هم انفسهم على قناعة بتهافُته. مسيرة المحكمة وصبرنا كشف كل شيء.

أوَّل علمي بالصرخة كان أن أرسل لي صديق فلسطيني في لبنان هو محمد العبد الله الرفاعي ، وهذا إيميله إن اردت الكتابة إليه. Alabdallah [email protected] أرسل لي محمد نص وثيقة بعنوان “نداء وصرخة من الأعماق” وهي مصاغة بخطاب ماركسي، تبين لاحقا أن كاتبها هو د. صبري إمسلم من قرية خاراس قرب الخليل، وهو شيوعي سابق ومحسوب في المجلس الوطني الفلسطيني على الجبهة الشعبية. كان سابقا في الجزائر. بالمناسبة قبل الصرخة بثلاثة أعوام جاء زارني وطلب مني مساعدة أكاديمية لإبنه في الجزائر وفعلت.

وبالمناسبة ايضا بعد افتضاح الصرخة وهي منشورة كورقة وثيقة يتبناها ويروج لها تجمع مركزه في لبنان واسمه “التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة” ويرأسه المشبوه د. يحي غدار، وقد نُشرت في 15 ايار 2015، باسم الرفيق أبو احمد فؤاد نائب الأمين العام للجبهة الشعبية وفي موقع “العالمية”الإيراني وبعد الفضيحة جرى شطبها وأصدرت الجبهة بيانا تنفي علاقتها بالصرخة. وبعد الفضيحة ايضا ارسل لي صبري إمسلم رسالة شفهية مع إبن أخيه لإبني يزن يقول: أنا الآن عجوزا، وأريد أن اقضي بقية عمري مرتاح في خاراس”! عجيب! ولماذا تهي عمرك بوثيقة مشبوهة!!! طبعا، هو طُردبعد الفضيحة من اجتماع المؤتمر القومي العربي في بيروت على يد الرفيق د. عصام السعدي هو والمدعية حيث فضحهما د. عصام وذلك في شهادة د. عصام.

قال لي الصديق محمد عبد الله: “بدي رايك في هالوثيقة الملتبسة قرأتها 3 مرات حتى فهمتها”. قرأت الوثيقة ودهشت أنها تقوم على الطلب بدولة مع المستوطنين. وبالمناسبة كان ذلك في فترة حرق المستوطنين للطفل محمد ابو خضير، وعائلة دوابشة! كتبت له رايي.

قبل أن أُطلب للتحقيق عند مباحث السلطة يوم 29 حزيران 2016 بسنة أو أكثر جائني صديق من الخليل وقال لي إن عزمي بشارة يرتب لك مشكلة. وقد تبين لي لاحقا علاقة بين المدعية وعزمي وشخص آخر هو أحمد اشقر من بلدة إكسال في المحتل 1948 الذي كان يعيش في موشاف مزراع مع المستوطنين وشخص رابع لا أريد ذكر اسمه هو كان منسفهم في عمان.

قبل أن أُطلب للتحقيق اتصل بي شخص اسمه محمد وليد وقال لي اريد اللقاء معك. قلت من أنت قال انا من أمن جامعة بير زيت. قلت أمن وقائي؟ قال لا، أمن الجامعة (وكل هذا في إفادتي في المحكمة).قلت لماذا تريد لقائي قال ساخبرك. جاء إلى مكتبتي في القرية “اسميها القرمطية” هو وآخر اسمه محمد جميل وقالا لي أن المدعية وضعت قضية ضدك عند السلطة. قلت وما شأنكما في ذلك؟ قالا لأننا نريد ان نعرف عنها فهي ترسل اشخاصا للخارج ويتم التحقيق معهم حين يعودوا. قلت هي غير مريحة.

بعد جلسة المحكمة الأولى 30 حزيران 2016، كتب لي محمد جميل على الفيس (وهذا موثق) : دكتور “بدي اقعد معك للضرورة” والتقينا في مكتب كنعان، اعتقد يوم 9 تموز 2016، وقال لي أن المدعية طلبت منه ان يتصل بها هاتفيا ويهددها على أنه عادل سمارة. قلت له وهل ستشهد في المحكمة ؟ قال نعم. قلت ولكن لماذا تتعب نفسك من أجلي؟ قال انت كاتب ومناضل…الخ. قلت له، أنا لا يوجد عندي ما أقدمه لك سوى أن اساعدك بأن تسجل في جامعة بير زيت للماجستير اساعدك اكاديميا، دون أن يعرف من سيشرف عليك لأن الجامعات ترفض تشغيلي وأنا كثيرا ما اشرف على طلبة ماجستير ودكتوراة دون أن يعرف من يشرفون عليهم، وأعطيته هاتف د. سوسن مروة في الجامعة واتصل بها (كما كتب لي) وبعدها لم يذهب واختفى وحين عاودت الاتصال به رفض ان يشهد! ومنذ 3 جلسات للمحكمة محمد وليد ومحمد جميل مطلوبين للشهادة ويتغيبان!” كما سيطلب محاميان الدفاع الأستاذ مهند كراجة والأستاذ ظافر صعايدة، السماع لفيديو شهادة د. ربحي حلوم الذي كتب البيان ضد الصرخة والذي ارتكزت عليه المدعية بأنني كتبته واهاجمها، وهذا غير صحيح حيث أنني وافقت على البيان ووقعت عليه. فيديو د. حلوم يشرح كل شيء.

إلى هنا ينتهي حديث د. سمارة. وسيقوم “موقع نبض الوعي العربي بنشر الصرخة المذكورة وما يتعلق بالقضية على حلقات.

 

تتمة صرخة وطنية ونداء من الاعماق

موقع الكيان في منظومة تناقضات عصرنا

ومع ان الكيان الاستيطاني في بلادنا شكل جزءاً بنيويا من منظومة الظواهر الاستعمارية الاستيطانية، الا ان نشوئه في فلسطين جاء متأخراً زمانياً في المرحلة العليا من النظام الاستعماري العالمي، ليسد حاجة لوجيستية موضعية له في منطقة جغرافية حساسة استراتيجيا ولكنها صغيرة المساحة وفقيرة الثروة الطبيعية، وهذا ما جعل الكيان يتسم بخصوصية القاعدة الوظيفية الطفيلية، التي اعتمدت نشوءاً وتجديداً للذات وممارسة للوظيفة، على رعاية وحماية وإعالة مراكز الهيمنة الاستعمارية العالمية كل في حينه. وبخلاف مناطق الاستيطان الاخرى التي كانت مربحة اقتصادياً لسعتها من جهة ولاحتوائها على ثروات طبيعية متنوعة من جهة اخرى، كانت وما زالت فلسطين مكان تموضع الكيان غير مربحة في حد ذاتها لمراكز الهيمنة. بل ان الربح قد تأتى من موقعها المسخر لجنيه من غيرها وخاصة من محيطها الاقليمي .

وعلى ضوء ما تقدم نستطيع معرفة الخطورة الحقيقية الكامنة في سياسة الكيان النابعة من تمييزه الإثني وانغلاقه ووظيفته ليس فقط على الشعب الفلسطيني الضحية الاولى لهذه السياسة وعلى شعوب المحيط الاقليمي الضحية الثانية، بل تمتد هذه الخطورة لتصل الى دائرة السياسة الكونية، حيث يرتبط الكيان بتبعية مطلقة لأكثر القوى عدوانية وهمجية في عالمنا المعاصر المتمثلة في الامبريالية الامريكية ورأس مالها المعولم وحرية سوقها المتوحشة التي تلتهم خيرات شعوب اسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.

امريكا هذه التي بدأت جرائمها بإبادة الهنود الحمر واستمرت بعبودية واضطهاد الزنوج الأفارقة وتأييدها للدكتاتوريات الأكثر دموية في امريكا اللاتنية على شاكلة سوموزا وباتيستا وبينوشي، وموبوتو في افريقيا، وماركوز في الفليبين وسوهارتو في إندونيسيا، والشاه البهلوي في ايران، … وغيرهم الكثيرين – كما ان ابادة 200000 قتيل و 150000 جريح اصابتهم دائمة في هيروشيما وناجازاكي باليابان. كما حرقت 200000 من المدنيين بالقنابل الفوسفورية في مدينة درزدن بألمانيا دون مبرر. أما عدوانها على شعب الفيتنام فقد اباد 4 ملايين قتيل ما عدا الجرحى والمعوقين. كما أبادت أكثر من 200000 انسان في امريكا الجنوبية ومئات الالاف في الفيلبين وأمريكا الوسطى والعراق وأفغانستان ودعمت الثورات المضادة بالمال والسلاح.

اما عن تأييدها لجرائم الكيان بالمال والسلاح والصواريخ والطائرات، وحمايته من العقوبة في مجلس الامن باستعمالها لحق النقض فهي معروفة للقاصي والداني من شعبنا وامتنا ومن كل اصدقائنا، فلا داعي لتفصيل ذلك.

وليس هذا سوى غيض من فيض، فخطر امريكا راعية الكيان ونظامها المتوحش لا ينحصر في الحاقها الاذى بالإنسان، بل اتسع ليشمل افساد شروط الحياة بكليتها سواء تعلق الامر بالانسان او بالحيوان او بالنبات على حد سواء، وذلك من جراء اخلالها بالتوازن البيئي على سطح كوكبنا الأرضي، مياها ويابسة وما تحتها، فما زالت اميركا تمتنع عن توقيع المعاهدات التي تحد من الاحتباس الحراري وانبعاث الغازات المسببة في تهتيك طبقة الاوزون الواقية من خطر اشعة الشمس، وذلك حفاظا على ارباح شركاتها ومراكمة رأس مالها المعولم.

وهكذا يتبين لنا موقع الكيان في مُركب تناقضات عصرنا كذيل تابع لأكثر الوحوش ضراوة ومعاداة للإنسان وللحياة. فبعد ان تكوَن في رحم الامبراطورية البريطانية الاستعمارية وخرج من احشائها ورضع من حليبها، وترعرع في كنف انتدابها وتشرب افكار روادها المستوطنين في مستعمراتها، الذين زعموا بأنهم ذهبوا لتمدين الشعوب الهمجية هناك، انتقل بناة الكيان ليستظلوا بفيء خليفتها ووريث هيمنتها، الوحش الامريكي.

وعلى الصعيد الفكري لم يشذوا عن مسيرة المستوطنين السابقين فكرا وممارسة، بل اقتفوا اثرهم في تزوير التاريخ واستحضار اسخف الاساطير الخيالية القديمة، وتحريف الكتب السماوية متلاعبين فيها لتحميل الالهة وزر جرائمهم في استعباد الشعوب الاصلية ونهب خيراتها وتدمير حضارتها. كما انشأوا منظومة من المفاهيم والمقولات المجردة عن سياقها التاريخي، وأضفوا عليها طابع القدسية والصلاحية لكل زمان ومكان منعا للعقل من مناقشتها، وإبعاد للوعي عن فهم كنه افعالهم. وبموجب ذلك انقلبت الحقائق رأسا على عقب.

تزييف الوعي يبدأ بإبراز الأسطوري وإخفاء الواقعي

فأصبح الغزاة مبشرين بالأديان السماوية، وأصبح تدمير الشعوب الأصلية وحضارتها عملية تمدين وأصبحت أرضهم المسكونة منذ الاف السنين ارضا فارغة بلا شعب، تنتظر قدوم شعباً اخر لا ارض له، يمتلك وعداً إلهيا قبليا ليقيم وطنه القومي فوق ربوعها. وبذلك اصبح الغزاة المستعمرون في بلادنا فلسطين شعب الله المختار، واصبحت ارضنا المحتلة بقوة السلاح ارضاً موعودة، واصبحت عمليات نزع الارض عنوة من الفلاحين ومنعهم من العمل فيها وطردهم خارجها، واحلال المستوطنين مكانهم عليها، ليست سوى تطبيقاً لوعد الهي اسمه التهويد.  واصبحت اشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي للمستوطنين تعطى اسماء اسطورية لاهوتية لا علاقة لها بأسلوب انتاجهم وعلاقتهم الاجتماعية التي تتطابق معه، ولا باسم الارض التي يقيمون عليها، بل نسبة لاسم اسطوري قديم هو إسرائيل، ذلك النعت الذي اطلق على يعقوب طبقاً للراوية الاسطورية، كما فعل مستوطنوا قارة امريكا الجنوبية، الذين اطلقوا عليها نعت اللاتينية نسبة الى ديانتهم، وكما فعل مستوطنوا زمبابوي في افريقيا عندما اطلقوا اسم روديسيا عليها، نسبة الى مدير الشركة البريطانية التي تولت اقامة الاستعمار الاستيطاني فيها سيسيل رودس.

ونلاحظ هنا ان الاسم الاسطوري اللاهوتي الذي اعطي لكيان المستوطنين هو جزء من عملية تضليل للوعي هدفه صرف الانتباه عن عملية الاستعمار الاستيطاني وإخفائها بكاملها والتي تتضمن في الواقع عملية تغييب ثلاثية الابعاد تبدأ بتغييب تاريخ الارض الحقيقي الذي بدأ مع وجود الكنعانيين عليها واستبداله بتاريخ اخر يبدأ مع التوراة ثم ينتقل الى تغييب اسم الارض الاصلي بإعطائها اسما اسطوريا لاهوتيا مرجعيته التوراة وتنتهي بتغييب السكان الاصليين عن وعي المستوطنين قبل قدومهم اليها حيث اعتبرت ارض بلا شعب تمهيداً لقبول تغييبهم عنها في الممارسة بواسطة الابادة والتهجير خلال عملية تكوينهم فيها. كما يتضمن هذا الاسم طابعاً استاتيكيا (ثابتا) مقاوما لأي حركة او تغيير او تعايش مع الغير عليها، لان في ذلك التعايش مصدر الخطر عليه طبقا لاسطورة معاداة السامية. وبذلك يجري التأسيس في الوعي النظري، وفي الممارسة لاقامة نظام التمييز والفصل الإثني، والاستعباد لمن استطاع الصمود والبقاء من سكان فلسطين الاصليين.

ولذلك نعلن ان اخفاء عملية الاستعمار الاستيطاني الاحلالي وراء يافطة اليهودية تعني في الحقيقة تحميل كل جرائم المستوطنين ورعاتهم تجاه شعبنا ومحيطنا للديانة اليهودية التي نعتبرها براء من هذا المشروع الاستعماري.

لقد نشأت الديانات السماوية الثلاث في منطقتنا وكانت أجزاءً متكاملة من مكونات الحياة الروحية لشعوب منطقتنا، التي لم تعرف الصراعات الدينية والمذهبية إلا خلال الغزوات الاجنبية وبتحريض من القوى الغازية على مر التاريخ. لقد عاش معتنقي الديانات الثلاث من شعوبنا على مر التاريخ وتكاملت معتقداتهم مع بعضها، وأغنت الحضارة الانسانية بشقيها المادي والروحي.

اننا نميز بين الاستيطان كعملية نزع ارض من اصحابها وإبادتهم واستعبادهم وبين الديانة اليهودية كمعتقد لتنظيم العلاقة بين معتنقيها وخالقهم من جهة، وبين البشر بعضهم ببعض من جهة اخرى على اسس من العدالة والاحترام المتبادل والعيش المشترك الامن. ونحن لا نماثل سياسياً بين يهود العالم، فهناك من يعيش منهم حياته الخاصة ويتعايش بسلام مع ابناء مجتمعه، ويمارس معتقداته وأسلوب حياته بعيداً عن التمييز والتمايز والحقد والكراهية. ونحن ان المشكلة اليهودية تكمن في توظيف الدين اليهودي لتحقيق المشروع الاستعماري الاستيطاني، لصالح قوى الهيمنة والسيطرة في العالم, بدءاً بنابليون مروراً ببريطانيا، ووصولاً للولايات المتحدة الامريكية.

اننا نعلن عدم وجود مشكلة بالنسبة لنا اسمها المشكلة اليهودية في فلسطين فهذه المشكلة نشأت في اوروبا الرأسمالية، والتي كانت تعني الخيار بين الاندماج وبين العزلة في المجتمعات الاوروبية. ولم تظهر هذه المشكلة يوما ما في بلادنا، ولذلك ليس المطروح عندنا حلا لمشكلة يهودية، بل ان المطروح امامنا والذي يتطلب حلا سريعا وجذريا هو مشكلة الاستعمار الاستيطاني الاحلالي في بلدنا فلسطين، والتي تأخذ شكل القاعدة الوظيفية للهيمنة الاجنبية على محيطنا الاقليمي، وتشكل بؤرة للتوتر الدولي بحكم ارتباطها بالسياسة الامبريالية. $$

حل المشاكل يتطلب إزالة أسباب نشوئها

ولما كانت الحلول لمشاكل بني الانسان تستخرج من واقعهم الموضوعي المتحرك وليس من الاوهام والاساطير الخيالية الثابتة في رؤوسهم المتحجرة. وحيث ان واقع القضية الفلسطينية الراهن يتكون من وجود استعمار استيطاني احلالي اتجاه الشعب الفلسطيني وقاعدة وظيفية للهيمنة الامبريالية على المحيط الاقليمي، وبؤرة للتوتر والحروب العدوانية في السياسة الدولية الراهنة.

وبما ان كيان المستوطنين اصبح يسيطر على كل فلسطين الانتدابية ارضاً وسكاناً ويقيم عليها نظام فصل وتمييز إثني ويستعبد قوة عمل ساكني المعازل فيها منذ عام 1967. ونظراً لكون طبيعة الكيان المتسقة مع وظيفته قد وضعت كل فلسطين ارضاً وسكاناً ومحيطاً إقليمياً في دوامة متواصلة من الحروب المدمرة والمجازر الدموية لإبقائها في حالة التبعية الخارجية المطلقة، وحيث تعارضت هذه الطبيعة مع جميع الحلول المؤدية لعودة الحقوق المشروعة الى أصحابها، وفي مقدمتها عودة اللاجئين الى ديارهم. وحيث تتنافر مع شروط العيش المشترك الآمن لجميع سكان فلسطين وإقامة الأسس لسلام عادل وشامل  يؤمن لشعوب منطقتنا تعاوناً مشتركاً بديلاً عن الكراهية والاقتتال وينزع عن فلسطين صفة بؤرة التوتر الدولي، هذا من الناحية الاولى.

وحيث ثبت للمستوطنين بالملموس خلال قرن ونصف ان ارضنا التي استوطنوها لم تكن “بلا شعب” وليست خاليه من السكان كما اوهمتهم الصهيونية وصانعوها كما ان وجودهم عليها ليس اكثر امنا لهم من وجودهم السابق على الارض التي هاجروا منها، وان رسماً بيانياً لحركة امنهم على ارضنا يثبت بالقطع ان ما ينمو بالنسبة لهم هو قلة الأمن وليس المزيد منه، وذلك بسبب الطبيعة العدوانية لوجودهم على شعبنا المدفوع بحكم غريزة حب البقاء للدفاع عن وجوده فوق ارض وطنه الامر الذي يشكل اساساً موضوعياً لتصاعد مقاومته وليس الى هبوطها.

وبما ان طريقة تكوين تجمع المستوطنين جعلت منهم اداة لاضطهاد شعبنا لذلك انطبقت عليهم المقولة الشهيرة ( ان شعبا يضطهد شعباً اخر لا يمكن ان يكون هو نفسه حراً) مع التحفظ على كلمة “الشعب” هنا. وملاحظين ان الفشل الذي اصاب كل الحلول التي اقترحت لمعالجة القضية الفلسطينية ومتفرعاتها تعود الى اقتصارها على نتائج سياسات الكيان وتجاهلها للأسباب الحقيقية المولدة لها المتمثلة في طبيعة بنيته ووظيفتها وبعلاقاتها مع شعبنا الفلسطيني ومحيطه الاقليمي وبمراكز الهيمنة العالمية.

لذلك نعلن ان الكيان الاستعماري الاستيطاني ورعاته الامبرياليين قد أوصلوا سكان فلسطين الأصليين منهم والمستوطنين وشعوب محيطهم الاقليمي الى منعطف تاريخي بلغت التناقضات التناحرية فيه درجة من التعارض والتي لم تعد تسمح بتعايشها مع بعضها البعض ضمن الوحدة القائمة الا على اساس التدمير المتبادل والانتحار الجماعي الحاصل يومياً.

لقد اصبح الوضع الراهن من الخطورة على حياة سكان فلسطين ومحيطهم الاقليمي بمكان لم يعد يسمح لهم بمواصلة دفن الرؤوس في الرمال، حيث يمتلك الكيان جميع انواع اسلحة الدمار الشامل، الامر الذي يدفع ضحاياه بالضرورة الى محاولات امتلاك نفس الاسلحة للدفاع عن وجودهم فوق أرض اوطانهم واستعادة حقوقهم ودفع عجلة تطور مجتمعاتهم الى الامام التحاقاً بمسيرة البشرية المتسارعة في تطورها الاجتماعي والعلمي والاقتصادي والتقني.

ان التاريخ يضع شعوبنا اليوم امام ضرورة الاختيار بين مواصلة السير على طريق التدمير الشامل المتبادل بما يعنيه من انتحار جماعي وبين تحويل وجهة سيرنا نحو طريق الحياة المشتركة والمستقبل الآمن لنا جميعاً، كما ان مصلحتنا الجماعية تفرض علينا واجب التخلص من هذه العلاقات اللانسانية التي ورثناها عن الحقبة الاستعمارية والقائها في مزبلة التاريخ، حيث تتعفن هنالك الكثير من علاقات التمييز والعبودية السابقة للافارقة السود في مزارع المستوطنين البيض الاوروبيين في امريكا الشمالية والجنوبية والوسطى، وعلاقة الابادة التي فرضها المستوطنون على الشعوب الاصلية في استراليا والأمريكيتين، وعلاقات التمييز والفصل العنصري “الابارتهايد” في جنوب افريقيا، والعلاقات النازية التي فرضها هتلر على شعوب اوروبا الشرقية والوسطى والغربية خلال حربه العدوانية التي حصدت ارواح ما يقارب خمسين مليون انسان بين مدني وعسكري.

نعم انها لمسؤولية عظيمة وشاقة ولكنها في نفس الوقت مشرفة لمواطنينا ولشعوب المنطقة ولكل الشرفاء في العالم الذين يساهمون معنا في التخلص مما فرضه علينا الامبرياليون وخدمهم من علاقات الابادة والتمييز والإحلال لخدمة مصالحهم الأنانية.

نحن سكان فلسطين التاريخية، مطالبون اليوم بان نهدم بايدينا جماعياً شروط فنائنا الجماعي ونقيم على انقاضها شروط بقائنا الجماعي على قيد الحياة ككل متكامل ومتساو بعيداً عن الفصل والانفصال والتمييز العنصري والنفي المتبادل للاخر.

لقد علمتنا تجربة الصراع الدامي خلال قرن من الزمن ضرورة نبذ الاعتقاد الزائف بامكانية الوصول الى حلول عادلة ومنصفة لجميع ذوي الحقوق المشروعة مع بقاء البنية الحالية التي اصبحت قديمة لصراع المتناقضات على ارض فلسطين التاريخية ومحيطها، التي تمخضت عن عملية الاستعمار الاستيطاني.

ان مصلحتنا في الحياة المشتركة تفرض علينا ضرورة تجاوز القديم الذي شاخ وهرم وولى زمانه والانتقال الى مولود جديد اكثر تقدماً وأهلية لخلق علاقات انسانية لنا جميعاً.

انه مشروع مستقبلي لكفاح مشترك نبني بواسطته مستقبلاً يكون كما نصنعه نحن بأيدينا وعقولنا لمصلحتنا الجماعية المشتركة، انه تغيير جذري وليس اصلاح سطحي لبنية الصراع الموروثة عن القديم المهترىء.

فالحقائق الملموسة الراهنة على أرض فلسطين التاريخية تؤكد ان سكانها اليوم اصليين ومستوطنين يشكلون كلاً واحداً من حيث مصلحتهم في البقاء على قيد الحياة، ولا يغير من ذلك كون النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيها يقوم على الفصل والتمييز العنصري وسيطرة كيان المستوطنين على ارضها وشعبها الاصلي الفلسطيني.

ان عدم التجانس الذي اقامه الكيان الاستيطاني بين مصالح وحقوق طرفي التناقض الاساسي قد جرفهم نحو الانتحار الجماعي الذي يتوجب وقفه بترقية علاقة الطرفين وليس بإنهائها عبر النفي المتبادل بينهما. وتعلمنا أحداث التاريخ وتجارب الأمم ان افضل الطرق للتخلص من الحروب والتدمير المتبادل هو إلغاء الواقع الذي يفرز تلك الحروب ويتطلب استمرار ذلك التدمير المتبادل. وفي حالتنا نحن على أرض فلسطين فان هذا الواقع الذي يتطلب منا الغاءه يتمثل في بنية الكيان الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية ضد شعبنا ووظيفته الهيمنية على محيطنا الإقليمي، فالحل الجذري يكمن في تفكيك تلك البنية المغلقة واستبدالها ببنية منفتحة اكثر تقدماً وإنسانية وعديمة الوظيفة الإمبرالية، وما عدى ذلك ستبقى أسباب الحروب والتدمير المتبادل قائمة مع امكانات تصاعدها حيناً وهبوطها حيناً اخر طالما بقيت جذورها ضاربة في أعماق بنية الواقع الذي يتضمنها.

فتفكيك بنية الكيان وما يتبعه من ضرورة إلغاء علاقة التلازم الشرطي بين طبيعة بنية الكيان ووظيفته هو مفتاح الحل العادل والدائم للصراع في الشرق الاوسط باللغة الدبلوماسية للدول والحل العادل للقضية الفلسطينية بلغة حركة التحرر والوحدة العربية.

ان ادراكنا لكون الحياة الاجتماعية للبشر تتكون من علاقتين أساسيتين: الاولى علاقة الانسان بالطبيعة “الارض” والثانية علاقة الانسان بالانسان “علاقة الناس ببعضهم”، دفعتنا للتدقيق في الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية والتي كانت وما تزال موضوعاً للمفاوضات العبثية فوجدنا انها تركز على العلاقة الكمية للناس (علاقة الانسان بالطبيعة) أي علاقة الانسان بالارض ونسبة تملكهم لها وتهمل علاقة الناس الكيفية ببعضهم البعض أي علاقة الانسان بالانسان الاخر، على ارض فلسطين ومحيطها وتجعلها خارج الحلول المطروحة وبالتالي خارج المفاوضات.

ونحن اذ ننطلق من وعينا العلمي للترابط الضروري بين الكم والكيف في حركة تطور وتغير البنى الفيزيائية والاجتماعية في هذا الكون الذي نحن جزءاً عضوياً منه نؤكد اصرارنا على ان يتضمن الحل لقضيتنا الوطنية، الجانب الكيفي في المقام الاول الى جوار الجانب الكمي وعدم القبول بأي فصل تعسفي بينهما، وذلك بالغاء الكيف القديم للعلاقة بين الانسان والانسان على ارض فلسطين التاريخية أي بين السكان الفلسطينيين الاصليين والسكان المهاجرين المستوطنين، ذلك الكيف المتمثل في العلاقات الاستعمارية الاستيطانية الاحلالية وعلاقات الفصل وانشاء الكيف الجديد للعلاقة التي تقوم على المشاركة الحرة والمساواة والاتحاد وصولاً الى الانفكاك من التبعية للهيمنة الامبريالية.

– مكمن الحل العادل الراهن لقضيتنا

فضرورة التغيير الجذري لبنية الصراع التي اصبحت قديمة ليست وليدة رغبة هذا المفكر او ذاك او تحقيقاً لامنية أناس ذوي نوايا حسنة بل تعبيراً عن حاجة تولدها حركة مقنونة لصراع المتناقضات ضمن وحدة بات فيها الانتقال من التراكمات الكمية الى التغيرات النوعية حتمية يتطلبها الخروج من حالة الانتحار الجماعي والدخول الى حالة التعايش الجماعي، انها لحظة الانتقال من كيف قديم متعفن آخذ في الاحتضار الى كيف جديد نقي اخذ في الولادة، نسميه دولة فلسطين الديمقراطية التقدمية الواحدة على ارض فلسطين التاريخية، دولة لكل من يعيش عليها ولمن اخرج منها بالقوة القاهرة عام 1948، واحفادهم الذين يشكلون جزءاً عضوياً من المكونات السكانية “الديمغرافية” لفلسطين التاريخية، هؤلاء المهجرين المالكين للحق الوضعي “قرار 194” وللحقين الطبيعي والتاريخي للعودة الى ارض وطنهم وممتلكاتهم والتعويض لهم عن الخسارة بسبب غيابهم القسري واستغلال المستوطنين لممتلكاتهم، انها لحظة القطع مع الماضي الاستعماري الهمجي ولحظة الوصل مع المستقبل التحرري الانساني.

نعم انها لحظة استبدال علاقات قديمة ذات طبيعة استعمارية عنصرية إحلالية بعلاقات جديدة طبيعية ديمقراطية تقدمية تقوم على العيش المشترك والمساواة في الحقوق والواجبات المدنية لمواطنين احرار حقاً في دولة من نمط جديد منزوعة التمييز والفصل العنصري بسبب الاصل الاثني او اللون او اللغة او الانتماء الديني والسياسي والحضاري في دولة تحرم الدعاية للتمييز والفصل العنصري وبث ثقافة الكراهية والحقد والعداء، دولة تنتقل بفلسطين من العداء على محيطها الى الصداقة والتعاون لمصلحة تقدم وتطور وامن شعوبه.

اننا على ثقة بان الذين سينجزون بنضالهم هذا الهدف الانساني العظيم من سكان فلسطين التاريخية بمساعدة وتضامن احرار المحيط الاقليمي والعالم اجمع سوف يكونون على مستوى من المعرفة والحس الانساني السليم الذي يمكنهم من صياغة علاقات حقوقية وسياسية متقدمة تفتح المجال لتطورهم المشترك نحو مستقبل مشرق يثريه تلاقح خصوصيات جماعاته المتعايشة جنباً الى جنب بعد ان كانت متنافية تناحرياً يحل بعضهما محل بعض.

 

يتبع ….
الحلقة الرابعة

 

متعلقات

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الرابعة

الحلقة الخامسة

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

محرر الموقع

مواضيع متعلقة