منظمة التحرير الفلسطينية والانخراط في التسوية الأمريكية

img

د . غازي حسين

اعتبرت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني من أهم دوراته وذلك بسبب تولِّي المنظمات الفدائية قيادة منظمة التحرير سياسياً , وعسكرياً , ودبلوماسياً.

وحددت المنظمة هدف وأسلوب وأداة النضال الفلسطيني .

فالهدف: هو تحرير الأراضي الفلسطينية بكاملها وممارسة سيادة الشعب العربي الفلسطيني عليها .

والأسلوب :هو اختيار الشعب الفلسطيني الكفاح المسلح أسلوب نضال لاسترداد أراضيه وحقوقه المغتصبة .

والأداة : هي الجماهير العربية الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة وخارجها .

وشجب المجلس الوطني بشكل مطلق فكرة الكيان الفلسطيني المزيف في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد الخامس من حزيران (أي في الضفة والقطاع ).

نجحت حركة فتح في الدورة الرابعة للمجلس بتهيئة الأوضاع لتكريس هيمنتها على منظمة التحرير ومؤسساتها في الدورة الخامسة للمجلس الوطني , بعد  أن طبعت تعديل الميثاق وتغيير اسمه بطابعها الفكري والسياسي .

وكانت قد اشترطت تعديل الميثاق , وتغيير اسمه من الميثاق القومي الى الميثاق الوطني وتعديل النظام الأساسي لمنظمة التحرير, وأن تكون الأغلبية في المجلس الوطني للمنظمات الفدائية تحت قيادة فتح وزعيمها ياسر عرفات .

انعقدت الدورة الخامسة للمجلس الوطني في شباط 1969في القاهرة , وانتخبت لجنة تنفيذية لمنظمة التحريرضمَّت ممثلين عن فتح وبقية فصائل المقاومة  , واختارأعضاؤها ياسرعرفات رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة .

وأعلن البيان الصادر عنها عن خطة لتصعيد المقاومة وتوحيد العمل الفدائي والجباية المالية , وتقوية جيش التحرير الفلسطيني ورفض وإدانة قرارمجلس الأمن 242. وتضمن البيان لأول مرّة ” أنَّ هدف النضال الفلسطيني إقامة المجتمع الديمقراطي الحر في فلسطين لجميع الفلسطينيين مسلمين ومسحيين ويهود”.

أخذت فتح موقفاً مختلفاً عن منظمة التحريربعد أن تولَّى ياسرعرفات زعامتها .ورأت فتح أنّ الوحدة الوطنية يجب أن تتمَّ ضمن إطارمنظمة التحرير, وتكون فتح عمودها الفقري , واشترطت أيضاً أن تظل حركتها وقواتها العاصفة محافظة على شخصيتها وتنظيماتها السرية ومنطلقاتها الفكرية والسياسية.

شجبت منظمة التحريرمحاولات إقامة كيان فلسطيني (دولة) في الضفة والقطاع واعتبر المحامي ابراهيم بكر نائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحريرأنَّ الفكرة خرجت من الأفواه الصهيونية لخلق البلبلة والشروخ في الصفوف الفلسطينية.

عقد المجلس الوطني الدورة الثانية عشرة في القاهرة من 1-9 حزيران 1974 وهي أول دورة للمجلس تنعقد بعد حرب تشرين التحريرية وبرز في الساحة الفلسطينية اتجاهان :

الأول : يتزعمه ياسرعرفات وطالب بإقامة دولة في الضفة والقطاع أو على أي جزء تنسحب منه القوات الإسرائيلية حتى لو في أريحا.

والثاني: يطالب بتحريركامل التراب الفلسطيني من النهر حتى البحر ومن رأس الناقورة حتى رفح .وشكَّلت هذه الدورة نقطة انعطاف في مسيرة منظمة التحرير وتوجهاتها نحو التسوية .

وأقرَّت البرنامج المرحلي برنامج النقاط العشر, وتبلوراتجاه سياسي فلسطيني يعتبرقرارات الدورة الثانية عشرة والبرنامج المرحلي بداية التراجع عن الأهداف الوطنية مما يتناقضُ مع الميثاق الوطني , حيث لايجوز للمجلس الوطني اتخاذ قرارات تتناقضُ مع بنود الميثاق.

ركَّز رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عرفات بعد حرب تشرين على إقرار البرنامج المرحلي للدخول في التسوية برعاية الولايات المتحدة وعلى أساس أنَّ منظمة التحريرالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .

انقسمت الساحة الفلسطينية بسبب الموقف السياسي لقيادة المنظمة إلى تيارين :

الأول : يتمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية ,لأنّه يرى أنَّ النتائج التي أحدثتها حرب تشرين بسبب انفراد السادات لايمكن أن تحقق تسويةً وطنيّةً عادلةً.

الثاني : قرر الاستفادة من آفاق التوجُّه نحو التسوية برعاية الولايات المتحدة وانخراط السادات فيها , وتزعَّمت فتح هذا الاتجاه .

البرنامج المرحلي : تنصُّ النقطة الثانية من البرنامج على أنَّ المنظمة تناضل بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأراضي الفلسطينية و إقامة سلطة الشعب الوطنية المقاتلة على كل جزء من الأراضي التي يتم تحريرها .

وتعني عبارة بكافة الوسائل ” الوسائل السياسية والدبلوماسية , خلافاً لما كانت عليه القرارات السابقة ” باعتبار الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

وتعني أيضاً إقامة السلطة الوطنية المقاتلة على كل جزء من الأراضي الفلسطينية التي يتمُّ تحريرها .

أسقطت النقطة الثالثة عبارة ” لا مفاوضات ” وذلك لفتح الطريق لإجراء المفاوضات السريّة مع الأمريكيين و الإسرائيليين وتضمنت النقطة الرابعة ” إقامة الدولة الديمقراطية ” وبالتالي كرست شعار الدولة الديمقراطية والعلمانية بدلاً من استراتيجية منظمة التحرير السابقة وهي تحرير كامل التراب الفلسطيني مما يسهل الدخول في مفاوضات التسوية الأمريكية .

ونصَّت النقطة السابعة على الالتزام بالنقاط العشركشرط أساسي للوحدة الوطنية .

جسَّد برنامج النقاط العشر(البرنامج المرحلي) خرقاً فاضحاً للميثاق الوطني وقرارات المجلس الوطني , وأظهر بجلاء بداية انحراف قيادة منظمة التحريرعن برنامج التحرير ونقلها إلى برنامج التسوية الامريكية, في ظل اختلال ميزان القوى الإقليمي والدولي لصالح العدو الإسرائيلي الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة .

توجَّهت قيادة منظمة التحريربعد الموافقة على البرنامج المرحلي إلى مؤتمرالقمة العربي في الرباط في تشرين أول 1974 وأقر المؤتمر” تأييد حق الشعب الفلسطيني في إقامة السلطة الوطنية المستقلة بقيادة منظمة التحرير, الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني على أية أرض فلسطينية يتمُّ تحريرها “.

وهكذا أعلنت الدول العربية عن استعدادها القبول بما تقبل به منظمة التحرير من حل لقضية فلسطين كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني .

وعندما بدأت الدورة التاسعة والعشرون للجمعية العامة للأمم المتحدة توجّه ياسرعرفات في نهاية تشرين الثاني 1974على رأس وفد فلسطيني إلى نيويورك (وكنت عضواً في الوفد الفلسطيني) وألقى خطابه المشهور أمام الأمم المتحدة وطرح فيه إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية في كل فلسطين ولكل مواطنيها من مسلمين ومسيحيين ويهود .ووافقت الجمعية العامة في نهاية الدورة على القرار 3236 الذي أكد على الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني وهي حقه في تقرير مصيره والسيادة والاستقلال وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم . واتخذت الجمعية العامة القرار 3237 الذي تضمن منح منظمة التحرير صفة العضو المراقب للاشتراك في دورات وأعمال الأمم المتحدة ومؤتمراتها ومنظماتها الدولية. وغطت السعودية تكاليف إقامة الوفد الفلسطيني في فندق استوريا بنيويورك أضخم فندق في العالم.

شكَّل البرنامج المرحلي واعتراف مؤتمر القمة العربي في الرباط بمنظمة التحرير, ومنحها صفة العضو المراقب في الأمم المتحدة بوابة العبور إلى التسوية الأمريكية , وبداية التنازلات في الموقف الفلسطيني عن السيادة العربية على فلسطين التاريخية .وأدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتوقيع الاتفاقات التي تمَّ التوصل إليها في المفاوضات بين فيليب حبيب مبعوث الرئيس ريغان و ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير إلى إخراج منظمة التحرير وقواتها من بيروت , واعتماد المنظمة الخيار السياسي والتخلي عن الخيار العسكري .

وطرح الرئيس ريغان مبادرته للتسوية , وانعقدت قمة فاس الثانية بعد الخروج من بيروت بعدة أيام وأقرَّت مبادرة الأمير السعودي فهد , والتي عرفت بمبادرة السلام العربي , واعترفت ضمناً بإسرائيل .

وانعقدت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني في تشرين 1988 بالجزائر وصدر عنها إعلان قيام دولة فلسطين , وتشكيل حكومة مؤقتة والبيان السياسي وكانت القرارات المتخذة في الدورة 19موجًّهة للإدارة الأمريكية وحققت الشروط الأمريكية لبدء الحوار الأمريكي – الفلسطيني لأنها تضمنت الاعتراف بإسرائيل وبالقرارين 242و338 ونبذ الإرهاب من أجل بدء الحوار مع أمريكا والدخول بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل عبر البوابة الأمريكية .

وأعلن ياسر عرفات في مؤتمره الصحفي في نهاية الدورة ” أنَّ الآن الكرة في الملعب الأمريكي , وأنَّ دورة الجزائر هي دورة من أجل السلام إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان ذلك”.

جاءت قرارات الجزائر استجابة للشروط الأمريكية وتفريطاً بالحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني , واعتبرتها بعض الفصائل ومنها الديمقراطية والشعبية إنجازاً وطنياً هائلاً , بينما اعتبرتها بعض الفصائل الأخرى تنازلاً وتفريطاً مسَّ المحرمات والمحظورات الفلسطينية .

اعتبر جورج شولتس وزيرالخارجية الأمريكي أن قرارات الجزائر غير واضحة وغير مستوفية للشروط الأمريكية ورفض شولتس منح عرفات تأشيرة دخول إلى نيويورك لإلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة . فانتقلت الجمعية العامة من نيويورك إلى جنيف من أجل الاستماع إلى خطاب عرفات وإمعاناً منها في ممارسة الضغط عليه وتلميعه فلسطينياً وعربياً ودولياً.

طرح عرفات في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في جنيف بتاريخ 13/ 12/1988مبادرة سلام فلسطينية كرَّر فيها إدانته للمقاومة وتخليه عن الكفاح المسلح والاعتراف بإسرائيل وبالقرارين 242 و338 . ووجه نداءً لإسرائيل من أجل الدخول في مفاوضات مباشرة معه لصنع سلام الشجعان .

وعلَّق وزير الخارجية الأمريكي على خطاب عرفات وقال :” إنَّه لم يكن كافياً ولايلبي الشروط الأمريكية “. بينما قال الرئيس ريغان :” نحن نريد كلمات أكثر وضوحاً وأكثر تحديداً “.

وأوضحت الإدارة الأمريكية أنَّ ماورد في خطاب عرفات مازال غامضاً , وهو خطوة متقدمة , والمطلوب من عرفات تلبية الشروط الأمريكية بوضوح وصراحة.

عقد عرفات في اليوم التالي من إلقاء خطابه أي بتاريخ 14/12/1988 مؤتمراً صحفياً في جنيف قرأ فيه بيان جنيف بالإنكليزية كما أرسله وزير الخارجية الأمريكي . وكرر فيه إدانته ورفضه وتخليه عن المقاومة المسلحة وأنَّ الرغبة في السلام استراتيجي والقبول بالقرارين 242و 338 كأساس للمفاوضات مع إسرائيل.

وجَّه وزير الخارجية الأمريكي بعد البيان الذي قرأه عرفات رسالة إلى شامير وأخرى إلى بيريز أخبرهما فيهما أنَّه يعتزم البدء بحوار فعلي مع منظمة التحرير الفلسطينية . وأصدرالرئيس ريغان قراراً في اليوم نفسه نصَّ على فتح الحوار الأمريكي مع منظمة التحريرالفلسطينية .

اندلعت الانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة بشكل عفوي ونجح عرفات بتركيب قيادة لها . وظهر التيار الإسلامي أي حماس والجهاد في بداياتها , فلجأت إسرائيل إلى مفاوضات أوسلو السرية .

واعترف بيريز أنَّه هو الذي وضع مشروع اتفاق أوسلو و أعطاه لحسني مبارك والذي قام بدوره لتسويقه إلى عرفات على أنَّه اقتراح مصري ولا يستطيع الحصول على أكثر منه وعليه أن يوافق على مشروع اتفاق أوسلو.

ويقول بيريز:” إنَّ الجانب الفلسطيني أحضرله مشروع الاتفاق الذي وضعه على أنَّه اقتراح فلسطيني فوافق عليه ” . وهكذا وقَّع عرفات على اتفاق الإذعان في أوسلو بتاريخ 9/8/1993 في دهاليز أوسلو المظلة والظالمة , ومن وراء ظهرالشعب الفلسطيني ومنظمة التحريرالفلسطينية . ووقعه محمود عباس رسمياً في  13 أيلول بالبيت الأبيض وشهد عليه الرئيس كلينتون . وأنهت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية انتفاضة الحجارة التي عجزت إسرائيل عن إخمادها .

وهكذا تتحمل قيادة منظمة التحريرالفلسطينية ,وقيادات الفصائل المؤيدة لقيادة فتح كامل المسؤولية عن انخراط منظمة التحرير في التسوية الأمريكية  وعما آلت إليه قضية فلسطين , وما آل إليه وضع الإنسان الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها.

 

الكاتب محرر الموقع

محرر الموقع

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*

code