نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

للذاكرة وللأجيال: من دير ياسين الى مخيم جنين الى صفقة القرن 2020: الجرائم الصهيونية في نيسان الفلسطيني

img
نواف الزرو

نواف الزرو

نواف الزرو*

 

قد يقول البعض: وبعدين معك يا نواف، لا تكل ولا تمل ودائما تأتي لنا بالتاريخ والاحداث المؤلمة، وقد يقول البعض الآخر: لقد تعبنا من الذكريات والتذكير نريد عملا وفعلا، وقد يقول البعض الثالث: خلاص انتهينا،  راحت فلسطين والعرب خانوا القضية وباعوها للصهاينة وهم يطبعون على رؤوس الاشهاد ويتحالفون مع العدو ولم يعد من فائدة ترجى…لكل هؤلاء وغيرهم نقول: القضية قضيتنا وفلسطين لنا وصراعنا صراع وجودي “اما نحن وإما هم”، ولن نكل ولن نمل من مواصلة هذا الصراع والاشتباك التاريخي، حتى تتغير الأحوال والموازين الفلسطينية والعربية، ونقول ايضا: ان العدو  يعمل بلا كلل على شطب الذاكرة وكل ما يتعلق بفلسطين وحقنا التاريخي فيها، وبالتالي من الأولى أن نتمسك نحن اصحاب الوطن والقضية والتاريخ بذاكرة التاريخ والأجيال.

وفي هذا السياق الاشتباكي  تمتد المجازر والجرائم الصهيونية  من دير ياسين الى مخيم جنين الى صفقة القرن 2020.

فكما هو وارد موثق في عدد لا حصر له من الكتب والدراسات والوثائق، فقد أقدمت التنظيمات الإرهابية الصهيونية من أجل تحقيق هدف الاستيلاء على أرض فلسطين واقتلاع وترحيل أهلها عنها، على ارتكاب سلسلة مجازر جماعية بشعة شملت النساء والأطفال والشيوخ والرجال، وذلك عبر ذبح أكبر عدد من الفلسطينيين الصامدين، وإرهاب وترويع الآخرين وإجبارهم على الرحيل والهروب أو اللجوء بغية تفريغ الأرض، فكانت أخطر وأكبر المذابح التي نفذتها تلك التنظيمات خلال حرب 1948، والتي ما تزال تفاعلاتها وتداعياتها الإنسانية مستمرة حتى يومنا هذا.

ولكن- ليس فقط لم يتوقف نهج المذابح والمجازر الي ارتقت الى مستوى”المحرقة” على مدار السبعين عاما الماضية التي اعقبت النكبة، بل باتت هذه السياسة  العمود الفقري للاستراتيجية الإسرائيلية ضد الشعب العربي الفلسطيني، الذي أصبح يواجه في كل يوم المزيد والمزيد من النكبات والمحارق التي لا حصر لها، غير أن  شهر نيسان الفلسطيني يتميز عن شهور السنة الاخرى بموقعات عديدة نوعية اثرت على مجريات التاريخ الفلسطيني في الصراع مع المشروع الصهيوني.

فمن التفجيرات الارهابية الدموية إلى الاغتيالات.. الى المجازر الجماعية..  الى التدمير والتهديم الشامل للبلدات والقرى الفلسطينية.. وغير ذلك من العناوين..كلها نقرأها في نيسان من المشهد الفلسطيني منذ ما قبل عام النكبة ..!.

ففي الأول من نيسان/1948 “وصلت –كما توثق المصادر الفلسطينية/ محمد جلال عناية-الخليج- الأحد 4 مايو 2008/ طائرة نقل من طراز داكوتا محملة بالأسلحة التشيكية إلى مطار عسكري بريطاني مهجور في جنوب فلسطين، وقد تم توزيع الأسلحة على المستعمرات اليهودية في المناطق الجنوبية على الفور”.

وبعد يومين من ذلك، “وصلت باخرة سراً إلى خليج صغير على الساحل الفلسطيني تحمل شحنة أخرى من الأسلحة التشيكية”. وقد جاءت الأسلحة استجابة إلى برقية بعث بها بن غوريون إلى ايهود أفريل ممثل الهاجاناه في براغ يأمره فيها بإرسال شحنات سريعة من الأسلحة.

وكان لهذه الأسلحة تأثيرها في نتائج المعارك الدائرة بين العرب واليهود على أرض فلسطين.

وفي 3/4/1948 تمكن اليهود من احتلال القسطل التي كانت تتحكم بالطريق الموصل بين تل أبيب والقدس. ولكن العرب استعادوا القسطل في الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 8/4/،1948 وقد استشهد في ذلك اليوم عبدالقادر الحسيني قائد جيش الجهاد المقدس، ثم سقطت القسطل في صباح اليوم التالي 9/4/1948 وتزامنت هذه الخسارة مع الهجوم الوحشي والمذبحة التي اقترفتها عصابتها الأراغون وشتيرن الصهيونيتان ضد قرية دير ياسين في 9/4/1948 ما كانت له آثاره السلبية على الروح المعنوية للفلسطينيين.

أما في حيفا فقد تميزت القوات الصهيونية، إلى جانب التفوّق في التدريب والتسليح، بمواقعها على مرتفعات جبل الكرمل، بينما كانت الأغلبية العربية من أهل المدينة تقيم في المناطق المنخفضة حول الميناء.

وبعد يومين من تبادل متقطع لإطلاق النار بين الطرفين، زحف اليهود من المرتفعات في منتصف نهار 21/4/،1948 واستولوا على مفاصل الطرق والبنايات المرتفعة، وسقطت المدينة في يد القوات اليهودية في 22/4/1948 قبل انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.

وحول أخطر هذه المجازر المقترفة في نيسان جاء في تقرير الصحف والوثائق الفلسطينية:

في 9/4/1948 نفذ الصهاينة مذبحة دير ياسين التي خصص لها 1500 من أفراد عصابات و الهاغاناه، ففي الساعة الثانية من فجر ذلك اليوم أعطى الأمر بالهجوم على القرية فتحركت وحدات الأرغون بالإضافة إلى إرهابيين من عصابات الهاغاناه و البالماخ لاكتساح القرية من الشرق والجنوب وتبعتهم جماعة شتيرن بسيارتين مصفحتين وضع عليهما مكبر للصوت .

استهدف الصهاينة من وراء المجزرة إفراغ القرية من سكانها العرب والقضاء عليهم أو في احسن الاحتمالات ، اجبارهم  تحت وابل النيران على المغادرة، وضحى هؤلاء بعنصر المباغتة عندما أرسلوا في مقدمتهم سيارة عسكرية مصفحة ومسلحة ، حيث دخلت القرية وطلبت من أهلها عبر مكبر الصوت إخلاء قريتهم ، ولكن المواطنين تصدوا للسيارة وأمطروها بوابل من النيران جعلها تنحرف لتقع في خندق عند مدخل القرية مؤذنة بنشوب المعركة.

كانت المقاومة العربية الفلسطينية كما تورد صحيفة جيروزاليم بوست فوق توقعات عصابات اليهود التي كانت تنوي ، مع سبق الإصرار ، إخلاء القرية وقتل من فيها ، وما بزع الفجر حتى صعد هؤلاء هجومهم وعملياتهم العسكرية محاولين التقليل من الإصابات في صفوفهم عن طريق نسف مداخل البيوت الحجرية بالقنابل ثم مداهمتها وإزهاق أرواح الموجودين ، وانضم إلى هؤلاء فيما بعد أعضاء من عصابات بالماخ ، حيث قاموا بقصف الطريق المؤدية إلى القرية لردع الجنود العرب الذين جاءوا من عين كارم لنجدة القرية مستعملين ” أي العصابات ” قنابل المورتر في جهود لإسكات مصادر المقاومة الفلسطينية في القرية .

دار القتال دار من منزل فجروه ونودي إلى السكان عبر مكبرات الصوت أن المخرج الغربي للقرية مفتوح .. سكان القرية الذين صدقوا النداء اصطيدوا برصاص الإرهابيين اليهود، وأما الذين بقوا في المنازل ومعظمهم من النساء والأطفال والشيوخ فقد تم الإجهاز عليهم إذ أخذ اليهود يلقون بالقنابل داخل البيوت فيدمرونها على من فيها .. وقام اليهود بقتل كل من يتحرك أو من كان داخل أي بيت وكل عربي بقي حياً .

اليهود حفروا في نهاية العملية قبراً جماعياً دفنت فيه مائتان وخمسون جثة أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ .

وتشير الذاكرة الوطنية الفلسطينية إلى أن المجزرة الجماعية التي نفذتها القوات الصهيونية ضد أهالي بلدة دير ياسين كانت الأخطر والأشد تأثيراً على مجريات حرب 1948 ونتائجها ، حيث استثمرها القادة الصهاينة في نشر الإرهاب والرعب في نفوس الفلسطينيين .

وفي 10/4/1948 هاجمت عصابات الهاغاناه قرية ناصر الدين ( قضاء طبرية ) وأحرقتها وقتلت معظم سكانها وأخرجت الباقين تمهيداً للهجوم على طبرية .

ففي ليلة 14 نسيان حضرت قوة من اليهود يرتدون الألبسة العربية إلى القرية فاعتقد أهل القرية أنهم أفراد النجدة العربية المنتظرة القادمة إلى طبريا فاستقبلوهم بالترحاب ، فلما دخل اليهود القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم ولم ينج من المذبحة إلا أربعين عربياً استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة وقد دمر الصهاينة بعد المذبحة جميع مساكن القرية، وكان عدد سكان القرية عام 1945 قرابة 90 فلسطينياً .

*وفي 10/4/1948 هاجمت الهاغاناه قرية قالونيا ( بين القسطل والقدس ) وأحرقتها .

*وفي 13/4/1948 هاجمت الهاغاناه قرية اللجون ( قضاء جنين ) وقتلت 13 عربياً .

* وفي 16/4/1948 هاجمت الهاغاناه قرية ساريس ( طريق القدس ) وهدمت معظم بيوتها وطردت سكانها .

 

بتاريخ 10/4/1973 ، نفذت مجموعة من القوات الخاصة الإسرائيلية بقيادة ” ايهود باراك ” رئيس وزراء إسرائيل المستقيل ورئيس حزب العمل الحالي ، بالعاصمة اللبنانية ، عملية تصفية قادة منظمة التحرير الفلسطينية الثلاث ، الشهيد محمد يوسف النجار وزوجته والشهيد كمال عدوان وكلاهما من قادة حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ، و الشهيد كمال ناصر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية .

وبتاريخ 16/4/1988 ، نفذت القوات الخاصة الإسرائيلية بالعاصمة التونسية ، عملية تصفية الشهيد خليل الوزير ” أبو جهاد ” نائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية ومسؤول العمل العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة .

بتاريخ 2/4/2001 تم اغتيال محمد عبد العال أحد كبار نشطاء الجهاد الإسلامي في رفح .

بتاريخ 5/4/2001 ، تم اغتيال إياد الحردان أحد نشطاء الجهاد الإسلامي من قرية عرابة . وبتاريخ 25/4/2001 ، قامت قوات الاحتلال باغتيال أربعة شبان بواسطة تفجير عبوة ناسفة في مخيم رفح وهم : رمضان إسماعيل عزام ، وسمير صبري زعرب ، وسعدي الدباس ، وياسر الدباس ، وهم من ضباط أجهزة الأمن الفلسطينية .

بتاريخ 30/4/2001 فجرت قوات الاحتلال مبنى في رام الله عن بعد ، مما أسفر عن استشهاد ثلاثة مواطنين منهم الطفلان الشقيقان شهيد جمال بركات 7 سنوات ، وشقيقه ملاك جمال بركات 3سنوات ، وحسن القادري أحد نشطاء حركة فتح .

بتاريخ 30/4/2001 ، فجرت قوات الاحتلال سيارة مفخخة في غزة ، مما أدى إلى استشهاد حمدي سليم المدهون ومحمد عبد الكريم أبو خالد .

عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين بتاريخ 22/3/2004 .

عملية اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بتاريخ 17/4/2004 .

عملية اغتيال أربعة نشطاء من كتائب الأقصى في نابلس يوم 2/5/2004.

لا يمكن للفلسطيني أو العربي أن يمر هكذا على الذكرى الرابعة عشرة لمعركة مخيم جنين برغم زخم وتلاحق الأحداث اليومية الكبيرة، تلك المعركة التي ارتقت في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي الى مستوى الأسطورة، فحينما يجمع المتحدثون عن المعركة على ان اسطورة مخيم جنين شهد لها العدو قبل الصديق وباتت منهاجا يدرس في المعاهد والجامعات العسكرية العالمية، يتعلمون فيها أن ما حدث في مخيم جنين حقيقة وليس من نسج الخيال، يتعلمون كيف يصمد ثلة من الشبان المقاومين أمام اعتى آلة عسكرية في العالم، فإن هذه الحقيقة الكبيرة ليست من نسيج الخيال الفلسطيني.

فقد خاض الفلسطينيون هناك على أرض المخيم معركة كبيرة .. كبيرة .. مشرفة .. مشرفة ، أقسموا قبلها وخلالها على أن يقاوموا حتى الرصاصة الأخيرة .. وحتى الرمق الأخير .. وحتى النفس الأخير .. فاستبسلوا استبسالاً استشهادياً عظيماً لم يسبق أن شهدنا مثيلاً له على مدار الحروب والمعارك التي وقعت بين مع دولة الاحتلال الإسرائيلي على مدى العقود الماضية…

سطر أهلنا في المخيم مقاتلون ونساء وشيوخ وأطفال ملحمة بطولية صمودية أسطورية حقيقية أخذت تترسخ و تتكرس في الوعي والذاكرة الوطنية النضالية الفلسطينية والعربية على أنها من أهم وأبرز وأعظم الملاحم .

ومن ملحمة المخيم الى صفقة القرن الاجرامية -2020-سلسلة من الجرائم الصهيونية والامريكية بحق شعبنا وقضيتنا تحتاج بدورها الى مجلدات توثيقية  نحفظها للتاريخ وللأجيال.

 

[email protected]

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب نواف الزرو

nawaf-zaro
نواف الزرو
-اسير محرر امضى احد عشر عاما في معتقلات الاحتلال الاسرائيلي ، حكم بالمؤبد مدى الحياة عام 1968 وتحرر في اطار صفقة تبادل الاسرى عام 1979 . - بكالوريوس سياسة واقتصاد/جامعة بير زيت-دراسة من المعتقل. - كاتب صحفي وباحث خبير في شؤون الصراع العربي - الصهيوني

مواضيع متعلقة