القرار الأممي 194..القرار الذي تحول الى مادة تفاوض تحت عنوان “تعويض المتضررين”!!

img

 

محمود كعوش

 

مصطلحا “لاجئ” و”مهاجر”

وفق ما جاء في صفحة “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين – UNHCR” على شبكة الإنترنت، فإنه مع بلوغ عدد النازحين قسراً حول العالم، في تموز/يوليو 2016، حوالي 65 مليون شخصاَ، واستمرار توارد أخبار عبور البحر الأبيض المتوسط بواسطة القوارب في عناوين الصحف العالمية، بقى استخدام مصطلحي “لاجئ” و”مهاجر” محط اهتمام وسائل الإعلام وعامة الناس على حد سواء.

هل من فرق بين المصطلحين، وهل هو بتلك الأهمية؟

نعم، هناك فرق بين المصطلحين والفرق كبير. فلكل من المصطلحين معنى مختلف عن الآخر والخلط بينهما يسبب مشاكل كثيرة للاجئين والمهاجرين على حد سواء.

من هم اللاجئون في نظر المفوضية؟

اللاجئون هم أشخاص فارون من الصراع المسلح أو الاضطهاد. وقد بلغ عددهم مع نهاية عام 2015 ما مجموعه 21.3 مليون شخص، وغالباً ما يكون وضعهم خطراً جداً ويعيشون في ظروف لا تُحتمل تدفعهم إلى عبور الحدود الوطنية بحثاً عن الأمان في الدول المجاورة، وبالتالي يتم الاعتراف بهم دولياً كـ”لاجئين” يحصلون على المساعدة من الدول والمفوضية ومنظمات أخرى. ويتم الاعتراف بهم كلاجئين بشكل خاص لأن عودتهم إلى وطنهم خطيرة جداً ولأنهم يحتاجون إلى ملاذ آمن في أماكن أخرى. وقد يؤدي حرمان هؤلاء الأشخاص من اللجوء إلى عواقب مميتة.

لقد حدد القانون الدولي تعريفاً للاجئين ويوفر لهم الحماية. ولا تزال اتفاقية عام 1951 المتعلقة بوضع اللاجئ وبروتوكولها لعام 1967 فضلاً عن نصوص قانونية أخرى كاتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لحماية اللاجئين لعام 1969 الركن الأساسي في حماية اللاجئين في العصر الحديث. وقد أُدخلت المبادئ القانونية الثابتة في هذه الاتفاقيات في عدد لا يحصى من القوانين والممارسات الأخرى الدولية والإقليمية والوطنية. وتعرّف اتفاقية عام 1951 اللاجئ وتحدد الحقوق الأساسية التي يتعين على الدول ضمانها للاجئين. ومن أهم المبادئ الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي هو وجوب عدم طرد اللاجئ أو إعادته إلى أوضاع تهدد حياته وحريته.

ولحماية اللاجئين أوجه عديدة، تشمل حمايتهم من الإعادة إلى المخاطر التي فروا منها، واستفادتهم من إجراءات اللجوء العادلة والفعالة، والتدابير التي تضمن احترام حقوقهم الإنسانية الأساسية للسماح لهم بالعيش بكرامة وتساعدهم على إيجاد حلول طويل الأمد. وتتحمل الدول بشكل أساسي مسؤولية تأمين هذه الحماية. لذا، تعمل المفوضية عن كثب مع الحكومات مقدمةً لها المشورة والدعم عند الحاجة للقيام بمسؤولياتها.

 

من هم المهاجرون في نظر المفوضية؟

المهاجرون هم أشخاص يختارون الانتقال ليس بسبب تهديد مباشر بالاضطهاد أو الموت، بل لتحسين حياتهم بشكل أساسي من خلال إيجاد العمل أو في بعض الحالات من أجل التعليم أو لمّ شمل العائلة أو أسباب أخرى. وعلى عكس اللاجئين الذين لا يستطيعون العودة إلى وطنهم بأمان، لا يواجه المهاجرون مثل هذه العوائق للعودة. فإذا اختاروا العودة إلى الوطن سيستمرون في الحصول على الحماية من حكومتهم.

ويعتبر هذا الفارق مهماً بالنسبة للحكومات الفردية. إذ أن الدول تتعامل مع المهاجرين بموجب قوانينها وإجراءاتها الخاصة بالهجرة، ومع اللاجئين بموجب قواعد حماية اللاجئين واللجوء المحدّدة في التشريعات الوطنية والقانون الدولي على حد سواء. وتتحمل الدول مسؤوليات محددة تجاه أي شخص يطلب اللجوء على أراضيها أو على حدودها. وتساعد المفوضية الدول على التعامل مع مسؤولياتها في حماية طالبي اللجوء واللاجئين.

وتدخل السياسة في مثل هذه المناقشات. وقد يحمل الخلط بين اللاجئين والمهاجرين عواقب وخيمة على حياة اللاجئين وسلامتهم، والخلط بين المصطلحين يمكن أن يصرف الاهتمام عن الحماية القانونية الخاصة التي يحتاج إليها اللاجئون، مما قد يؤدي إلى إضعاف الدعم العام للاجئين وقضية اللجوء في وقت يحتاج فيه المزيد من اللاجئين إلى هذه الحماية أكثر من أي وقت مضى. يتعين علينا معاملة البشر جميعهم باحترام وكرامة وضمان احترام حقوق الإنسان الخاصة بالمهاجرين. في الوقت نفسه، يتعين علينا توفير استجابة قانونية مناسبة للاجئين بسبب محنتهم.

إذاً، وبالعودة إلى أوروبا والأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين وصلوا بواسطة القوارب إلى اليونان وإيطاليا وأماكن أخرى خلال الأعوام القليلة الماضية، أي من المصطلحين ينطبق عليهم؟ هل هم لاجئون أم مهاجرون؟

في الواقع، هم الاثنان معاً. فغالبية الأشخاص الذين وصلوا إلى إيطاليا واليونان أتوا بشكل خاص من دول غارقة في الحروب أو تُعتبر “منتجة للاجئين” ويحتاجون إلى الحماية الدولية. ولكن نسبة أصغر من هؤلاء الأشخاص أتت من أماكن أخرى، وبالنسبة إلى الكثيرين منهم قد يكون مصطلح “مهاجر” الأصح.

إذاً، في المفوضية نستخدم مصطلحي “لاجئ ومهاجر” عند الإشارة إلى تحركات الأشخاص عبر البحر أو في ظروف أخرى نعتقد فيها بأن أشخاصاً من المجموعتين قد يكونون موجودين – وتحركات القوارب في جنوب شرق آسيا مثال آخر على ذلك. ونستخدم مصطلح “لاجئ” عندما نشير إلى الأشخاص الفارين من الحروب أو الاضطهاد عبر حدود دولية ومصطلح “مهاجر”، عندما نعني أشخاصاً ينتقلون لأسباب لا يشملها التعريف القانوني لمصطلح لاجئ. وتأمل المفوضية أن يحذو الآخرون حذوها، لأنها ترى أن اختيار المصطلحات أمر مهم.

 

اللاجئون والتوطين

لا يستطيع العديد من اللاجئين العودة إلى بلدانهم بسبب الحروب والصراعات والتمييز والظلم والقهر والقمع والاضطهاد. ويعيش الكثيرون من هؤلاء اللاجئين في ظروف صعبة وخطيرة، أو يعانون من احتياجات خاصة لا يمكن تلبيتها في البلدان التي قصدوها طلباً للحصول على الأمن والحماية. وعادة ما تعمل المفوضية العامة للاجئين التابعة للأمم المتحدة في هذه الحالات على إعادة توطين اللاجئين في بلد ثالث. فإعادة التوطين تعني نقل اللاجئين من بلد اللجوء إلى بلد ثالث يوافق على قبلوهم ويتكفل بمنحهم الاستقرار الدائم في نهاية المطاف.

كُلفت المفوضية بموجب نظامها الأساسي وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعادة التوطين باعتباره أحد الحلول الثلاثة الدائمة. وتتميز إعادة التوطين في كونها الحل الدائم الوحيد الذي ينطوي على نقل اللاجئين من بلد اللجوء إلى بلد ثالث. وكان هناك 16.1 مليون لاجئ تعنى بهم المفوضية حول العالم في نهاية عام 2015، ولكن أُعيد توطين أقل من 1% منهم في ذلك العام.

ويشارك عدد قليل من البلدان في برنامج المفوضية لإعادة التوطين، وتربعت الولايات المتحدة الأمريكية في الأعوام الأخيرة على رأس قائمة دول إعادة التوطين في العالم، كما أمنت كل من كندا وأستراليا وبلدان الشمال الأوروبي عدداً كبيراً من الأماكن.

توفر بلدان إعادة التوطين الحماية القانونية والجسدية للاجئ، بما في ذلك تمتعه بالحقوق المدنية والسياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشابهة لحقوق مواطنيها.

في إعادة التوطين يعيش الإنسان تجربة تغيير نمط حياته، مما يعني أنها تجربة صعبة، لكنها  مفيدة في ذات الوقت. ذلك أنه غالباً ما يُعاد توطين اللاجئين في بلدان جديدة بالنسبة إليهم، ومختلفة جداً من حيث المجتمع والتقاليد واللغة والثقافة. واستقبال اللاجئين والعمل على دمجهم في مجتمعات جديدة عملية مفيدة للاجئين المعاد توطينهم وللبلدان التي تستقبلهم. وعادة ما تقدم الحكومات وشركائها من المنظمات غير الحكومية الخدمات لتسهيل عملية دمج اللاجئين، كالتوجيه الثقافي والتدريب اللغوي والمهني، فضلاً عن برامج تعزيز إمكانية الحصول على التعليم والعمل.

 

اللاجئون الفلسطينيون

هذا في ما يتعلق باللاجئين بصورة عامة، أما في ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين فالأمر يختلف تماماً، لأن الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد الذي أجبر، في العصر الحديث، على مغادرة أرضه بمنطق القوة الذي مارسته ضده عصابات من الصهاينة المجرمين استقدمتهم الإمبريالية العالمية من أوطانهم في الغرب والشرق تنفيذاً لوعد “بلفور” المشؤوم الذي منحته بريطانيا بطريقة منافية للقانون الدولي للمنظمات الصهيونية العالمية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة، في 2 تشرين الأول/نوفمبر عام 1917.

وعادة ما يعبر اللاجئون الفلسطينيون عن رفضهم القاطع للتوطين في أماكن إقاماتهم المؤقتة، أكان ذلك في البلدان العربية التي أجبروا على النزوح إليها بعد احتلال الصهاينة لفلسطين عام 1948، أو في بلدان الشتات العالمي التي اضطروا للهجرة إليها، مؤكدين تمسكهم بحق العودة إلى ديارهم تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، كما يؤكدون رفضهم للتعويض عن ممتلكاتهم في فلسطين.

منذ احتلال فلسطين في عام 1948 والمشاريع المطروحة لتوطين الفلسطينيين في البلدان التي لجأوا إليها لم تتوقف. وقد تجاوزت هذه المشاريع الخمسين مشروعا دولياً وعربياً و”إسرائيلياً” و”إسرائيلياً” – فلسطينياً مشتركاً، بعضها استمر الجدل قائما بشأنه بعض الوقت، والبعض الآخر ولد ومات ولم يكد أحد يلتفت إليه. وكان الفشل هو الغالب على كل هذه المشاريع على مدار سنوات النكبة، فلا هي نجحت في توطين هؤلاء اللاجئين ولا هي أنستهم حق العودة إلى ديارهم. أما القرار الأممي رقم 194 الذي ينص على عودة اللاجئين فقد تحول الى مادة تفاوض تحت عنوان “تعويض المتضررين”.

 

القرار الأممي 194

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 194 صدر بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر من عام 1948، وأعطى اللاجئين الفلسطينيين حرية الاختيار بين ثلاثة خيارات رئيسية لتوطينهم، وهي:

أولاً – العودة إلى الديار التي هجروا منها.

ثانياً – البقاء في الدول المضيفة التي يعيشون فيها.

ثالثاً – المطالبة بإعادة توطينهم في بلد ثالث.

وقد نص قرار الأمم المتحدة الرقم 194 في مادته 11 على ما يلي:

“تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب، وفقا لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسئولة، وتصدر تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل عودة اللاجئين وتوطينهم من جديد، وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي، وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة”.

 

في الوقت الذي أكد فيه المجتمع الدولي مرارا وتكراراً على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، فإن ممارسة الدول الكبرى كانت دوما باتجاه توطينهم. وقد أسهمت الأونروا في توفير الإغاثة والمعونة لهم، إلا أن نشاطاتها وبرامجها المبكرة هدفت إلى إعادة توطينهم من خلال عمليات التطوير الاقتصادي. ففي العام 1950، قامت لجنة التوفيق الدولية “UNCCP” بمجموعة من التدخلات لدى البلدان العربية لضمان الحصول على مساحات أراضِ يستقر عليها اللاجئون الفلسطينيون الذين اختاروا عدم العودة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، وافقت حكومتا الأردن وسوريا على إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين شرط أن يكون قد توفر لهم خيار العودة إلى مواطنهم الموجودة الآن داخل أراضيهم المحتلة، أما الحكومة المصرية فقد قالت للجنة التوفيق أنه سيكون من الصعب توطين اللاجئين في مصر لاعتبارات الكثافة السكانية ونقص الأراضي الصالحة للزراعة.

ولربما أن الموضوع الأكثر أهمية هنا، هو أن لا وجود لحق في التوطين من بين الخيارات الثلاثة المطروحة أمام اللاجئين. ففي الخيار الأول، العودة هي الحق الوحيد بموجب القانون الدولي فقط. وفي الخيار الثاني فيبقى بإمكان اللاجئين الذين يختارون التوطين ممارسة حقهم في العودة حتى ولو حصلوا على المواطنة في أي دولة أخرى. أما في الخيار الثالث فإن حصول اللاجئين على حق إعادة التوطين في بلد ثالث لا يسقط حقهم في العودة إلى وطنهم، عندما يتيسر ذلك.

وباختصار، فإن مسألة اللاجئين الفلسطينيين ستجد طريقها إلى الحل عندما تُعرض عليهم خيارات حقيقية، أي عندما تكون العودة خيارا حقيقيا يكون في متناول أياديهم كبقية الحلول الأخرى مثل إعادة التوطين. وقد عبر عن ذلك السكرتير العام للأمم المتحدة عام 1959 في أعقاب انهيار الجهود الدولية لإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين عبر برامج الأونروا بقولة: “لن يكون أي اندماج مرضيا أو حتى ممكنا، إذا ما تم عن طريق إجبار الناس على الوجود في أوضاع جديدة بخلاف إرادتهم”.

في ذات الوقت فإن الآراء التي يعبر عنها الناطقون باسم اللاجئين تشير إلى أن اللاجئين لن يقبلوا الاندماج بشكل طوعي في حياة مثمرة إلا إذا منحوا حرية الاختيار بما يتلاءم مع قرارات الأمم المتحدة، أو بطريقة مقبولة أخرى، وإذا ما كانت الحرية الآن وسيلة يصوب من خلالها الخطأ الذي يعتبرون أنفسهم قد عانوا منه، وأن يبقى احترامهم الشخصي لأنفسهم مصونا ومحفوظا.

 

(المقال مُجتزأ من دراسة لي بعنوان “التوطين ومشاريع توطين اللاجئين الفلسطينيين)

 

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدنمارك

[email protected]

الكاتب محمود سعيد كعوش

محمود سعيد كعوش

من مواليد ميرون ـ صفد: الجليل الأعلى ـ فلسطين المحتلة،شهادات عليا . مكان الإقامة السابق : لبنان . ..مكان الإقامة الحالي : الدانمرك ـ اسكندنافيا . الكفاءة العلمية: درجتان جامعيتان في الإدارة والأدب الإنكليزي . عمل في مجالي التعليم العالي والترجمة والإعلام المكتوب والمسموع، إلى جانب الكتابة الصحفية وإعداد الدراسات والأبحاث السياسية والثقافية والإجتماعية . عمل في العديد من الصحف والمجلات العربية والبريطانية . عمل مديراً للإذاعة العربية الموجهة للجالية العربية في الدانمرك ومقدماً للأخبار والبرامج الحوارية فيها. له العديد من الدراسات والأبحاث في الفكر القومي العربي والشؤون العربية وبالأخص الفلسطينية .

مواضيع متعلقة

اترك رداً

*

code