نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

الأردن .. المأمول .. بعد كورونا

img

محمد شريف جيوسي 

 

ثمة إجماع أردني رسمي وشعبي ، داخلي وخارجي ، على حسن تعامل الأردن مع أزمة وباء كورونا ؛ الذي يكاد قد زار كل بقعة من كوكبنا الأرضي ، تاركاً ضحايا من خلفه ، ومسقطا ” قيما ” ساقطة ؛ وقوانين جائرة ؛ ومراكز قوة متجبرة ؛ ومفاهيم خاطئة زائفة ؛ واعتبارات لم تأخذ بالاعتبار اعتبارات الحق والعدالة والخير ، ولا قيما روحية وإنسانية آمنة وإيمانية .  

لقد أسقط هذا الكائن متناهي الصغر ـ بغض النظر عن مصدره ـ سواء كان من صنع البشر لغاياتٍ غير إنسانية تسلطية استغلالية استعمارية عنصرية همجية إرهابية توسعية ظالمة ، أو هي من لدن ربٍ قادر عظيم في زمن كثر فيه الفساد في البر والبحر ” والجو ” بما صنعت أيدي الناس .. وقد ظنوا أنهم قادرون عليها ، بما امتلكوا من أسباب القوة والعلم والمعارف و ” السحر المستحدث ” والتقنيات و الأتمتة و الفتك بأنواعه التقليدي و الذري و الهيدروجيني و البيولوجي ، و الإعلام المضلل وغيرها .

فكل مصادر القوة  الإقتصادية والتقنياتية وفي الجينات ، باتت أكثر من عاجزة ، تافهة أمام عظمة هذا الفيروس ـ الذي يهدد وحدات سياسية قائمة منذ عقود كالإتحاد الأوروبي ، أو منذ قرون كالولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ، أو كيانات عدوانية كالكيان الصهيوني على حساب شعب وامة ، ويوشك على إعادة  رسم خرائط جديدة ، مكرساً دولاً كـ الصين وروسيا وكوبا وكوريا الديمقراطية وعلى الطريق ؛ فنزويلا وإيران وسورية واليمن والجزائر وجنوب إفريقيا .. 

أما الأردن بملايينه الـ 10 بين مواطن شرق أردني ” ومسهم في تأسيس الإمارة من حجازيين وعراقيين وسوريين شوام وشراكسة وفلسطينيين قدامى ” ، ثم بعد ذلك من اكتسب الجنسية بموجب وحدة الضفتين ؛ مطلع خمسينات القرن المنصرم ، وخسرها بعضهم في قرار فك الإرتباط سنة 1988 ممن تبقوا على أرض الضفة الفلسطينية وقت احتلالها سنة 1967 ، ومن الملايين ألـ 10 ، من يقيم على أرض شرق الأردن من أشقاء عرب عراقيين وسوريين وسودانيين وليبيين ومن أهل غزة ممن لم يكتسبوا الجنسية الأردنية وغيرهم. 

أقول ؛ تذكرنا هذه التعددية ، بتعدديات قائمة في جهات سورية الطبيعية ، وإن  تباينت تفاصيلها ، وهو تعدد مثرٍ ، بخاصة عندما يجرى التعامل معه بحكمة بالغة ، وربما كانت التعددية من ( أسباب ) التسابق والإلتزام الشعبي بمواجهة الوباء ، وتفهم مخاطره ، حيث لم يتوقف على حسن التعامل الحكومي الرسمي معه ، وإنما كان أ سبباً في التجاوب الواسع مع الإجراءات الحكومية ،  حيث لم يتوقف عند الصعد السياسية الحزبية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني ، وإنما لاقى تجاوبا وحثّاً حثيثاً ، على صعد الأصول والمنابت والعشائر والمخيمات والدواوين العائلية والكنائس والمساجد والجماعات الدينية، والمؤسسات الإجتماعية .

لقد انبرت مؤسسات إقتصادية أردنية كبرى ورجال أعمال كبار بالتبرع لصالح وزارة الصحة والصناديق  الإستراتيجية التي أنشئت بموجب أوامر الدفاع ، ليس فقط لمواجهة الجائحة الآن ، وإنما إستعداداً لما بعد الجائحة . 

ليس سراً أن الأردن يمر بظروف إقتصادية صعبة؛ منذ ما قبل  كورونا ، لأسباب متعددة منها الهدر والفساد والتهرب الضريبي والحمولات الوظيفية الزائدة والتبعية الاقتصادية ووصفات مؤسسات رأس المال العالمية المدمرة للاقتصاد الوطني التي كرّست و تكرس تبعية وإفقار الطبقتين الوسطى والصغيرة وعدم الاستثمار الرشيد لموارد البلد الأحفورية والطبيعية والسياحية .. 

هذه العيوب تتعلق بنهج التبعية السياسي والإقتصادي؛ المفروض منذ تأسيس الإمارة إلا من فترات وجيزة لم تستمر طويلاً .. ولعل أزمة الكورونا هذه تكون فرصة لتصويب الأوضاع الإقتصادية المرتبطة بالنهج السياسي .. فالثراء الذي تمتعت به الشرائح العليا من المجتمع الأردني ثبت أنه لا يساوي شيئاً ، ولا يحميها من  كائن غير منظور ؛ دون تكاتف الشعب بكليته ، وهو الأمر الذي ثبت بشكل أكثر سطوعا في الدول الكبيرة والعظمى وشبهها ، بل كانت أشد سوءاً بأضعاف المرات .. وهو ما يبنبغي أن بفهمه الأثرياء إن بقوا أحياء لم يجتثهم الفيروس من أن قوتهم وفحش ثرائهم لا يساوي شيئاً ولا يغنيهم عن الآخرين وعظمة الخالق.

لقد قدم الحزب الشيوعي الأردني مؤخراً مذكرة شفّافة صريحة تتمتع بالصدقية ، تستند في جوهرها إلى مذكرات تصويبية للأوضاع الإقتصادية والسياسية في البلد، كان إئتلاف الاحزاب القومية واليسارية قد قدمها غير مرة  للحكومات المتعاقبة ، ولكن أيا من هذه الحكومات لم تأخذ بها .

مطلوب من الحكومة الآن ، ان تبدع وترتقي ـ كما أبدعت وارتقت في التعامل مع الأزمة ـ بدراسة ما طرح سابقاً من مشاريع وتحديثاتها ، ( منذ الآن ) لإصلاح الأمور، ولكي يصبح الأردن أقوى ، بشعبه وبمقدراته وأصحاب الولاية فيه ، وليس بدعم الخارج الذي هو  جوهر مشكلاتنا و أزماتنا التاريخية ، وبات هو يحتاج للدعم والعطف .. كما نشهد ونرى تفكك القوى الدولية أمام هذا المخلوق، سواء كان مصنعاً أو قادما من السماء .. 

وينبغي التوضيح ، أنه لا يكمن في الصناديق الإستراتيجية المستحدثة خلاص الاردن فحسب ؛ مع أهميتها وضرورتها ، ولكن في إعادة النظر في كل بنية ونهج البلد الاقتصادي والسياسي،وفي العودة لدستور عام 1952،دون تعديل،عاش الأردن حراً أبياً عزيزا قوياً سنداً لأمته، مع ملاحظة أننا لا نعني بالأمة ، تلك الأنظمة التابعة للغرب الأمريكي أو الأوروبي وللصهيونية،ولا تلك القوى الوهابية والإخوانية والعثمانية والإرهاب بمسمياتها كلها والتكفير والطائفية والمحاصصة والخصخصة ، وإنما نعني الأنظمة والقوى العربية والإقليمية التقدمية والمقاومة لكل أعدائها..  

[email protected]

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

admin
محرر الموقع

مواضيع متعلقة