نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

التنمية بالحماية الشعبية في مواجهة كورونا (3-5)

img

د. عادل سمارة

 

 مدخل

فرض وباء كورونا علينا جميعاً التعاطي معه كلٌ طبقاً لتخصصه وانتمائه. ولعل المجالين الأكثر إلحاحاً للتعاطي معهما هما:

  • المستوى الصحي فرديا والطبي جماعيا
  • والمستوى الاقتصادي.

سيكون حديثي في المستوى الاقتصادي حيث لاحظت بأن تركيز معظم الكتابات هو على المستوى العالمي للاقتصاد: حرب التجارة، حرب العملات، مؤامرة الحكومة العالمية لفرض العملة الرقمية وشراء الأصول عالميا قبل قتلها للدولار،  واضطرار الراسمالية في المركز للاستيراد من الصين وقلقها من سيطرة أكثر للصين…الخ.

 

 (5-3)

الفارق بين اقتصادي التنمية بالحماية الشعبية والاقتصاد الرأسمالي المستعمَر

 

برز اقتصاد التنمية بالحماية الشعبية مع الإنتفاضة الأولى، حيث مارس وخلق حالة من مقاطعة منتجات وأماكن عمل الإحتلال، وحتى بعض من منتجات الأنظمة الرأسمالية الغربية الداعمة للإحتلال، بينما كان الإقتصاد الرأسمالي وظل يمارس التطبيع مع اقتصادات الاحتلال واقتصادات الدول الداعمة له باعتبار هذا الإقتصاد جزءاً مندمجاً في النظام العالمي ومنسجماً مع سياسة الباب المفتوح، وإقامة شركات التعاقد من الباطن وأخذ والتنافس على امتياز توزيع منتجات الإحتلال والدول الأخرى. وهي السياسة التي استمرت بالطبع بعد التسوية “أوسلو” وخلال الانتفاضة الثانية. 

وعليه، كان الإختلاف واضحاً بين توجه كل طبقة اقتصادياً، مما يعزز اعتقادنا بأن الإقتصاد الوطني هو حالة مفترضة، تتحقق بشكل نسبي وفي حالات محدودة تاريخياً، هي حالات المقاومة الشاملة والمقاطعة الشاملة. أما تحققها الفعلي فليس إلا في حالة الإشتراكية. وبغير هذا، فالقائم فعلاً في المجتمعات هو الإقتصاد القائم على الطبقات، إقتصاد الطبقة. فالعلاقة بين الكمبرادور الذي يستورد المنتجات الأجنبية وبين الطبقات الشعبية لا تعني إقتصاداً موحدا بالمعنى الإنتاجي الموحد وبمعنى أخذ كل مواطن قدر ما فعل وأنتج، بل تعني علاقة سوق بين الطرفين قائمة على الاستغلال المعمق والموسع. نتحدث إذن عن علاقة اقتصادية بين الطبقات وليس عن إقتصاد مشترك، او عمل اجتماعي مشترك. صحيح أنه في الاقتصاد الإنتاجي تكون الطبقات الإجتماعية أقرب مما هي في إقتصاد التبعية وهيمنة الكمبرادور، ولكن حتى في الاقتصاد الإنتاجي والمتطور والقادر على المنافسة على صعيد عالمي، يبقى هذا الإقتصاد اقتصادات لطبقات. وعليه، فإن اقتصاد التنمية بالحماية الشعبية، يعمل بالتوازي مع اقتصاد رأس المال، ويتعامل معه بحذر ويقترب منه كلما اقترب الإقتصاد الرأسمالي من نموذج الحماية الشعبية، وليس العكس. وهذا يعني أن يمارس اقتصاد الحماية الشعبية ضغطاً أكثر على السلطة الحاكمة بحيث تقترب من نموذج الحماية، لا أن تبتعد عنه باتجاه الاستيراد من الأجنبي والانفتاح الاقتصادي، والخصخصة…الخ. لكن نموذج الحماية الشعبية الجنيني في الإنتفاضة الأولى، وبعد أن قاطع منتجات وأماكن عمل العدو لم يكن من القوة بمكان بحيث يرغم إقتصاد رأس المال المحلي على الإلتحاق به، ومن هنا توقف النموذج العملي، والذي نحاول استكماله نظرياً [9]

 

مكونات وخطوات التنمية بالحماية الشعبية

 

اشتعلت الإنتفاضة الفلسطينية الأولى يوم 9 كانون الثاني عام 1987، حينما داست سيارة عسكرية إسرائيلية ستة مواطنين فلسطينيين من مخيم جباليا للاجئين بقطاع غزة، وهذا ما أدى إلى اندلاع التظاهرات مباشرة في المخيم وسرعان ما انتشرت إلى مختلف أطراف المناطق المحتلة ودفع المواطنون بغضبهم ليشمل مقاطعة منتجات الإحتلال ومواقع العمل  الإسرائيلية. وبهذا تكون الإنتفاضة قد دفعت الطبقات الشعبية الفلسطينية لتذهب باتجاه فك الإرتباط بالاقتصاد الإسرائيلي وذلك في أعقاب فترة طويلة من الإلحاق القسري باقتصاد الاحتلال. 

حصل ذلك على شكل إنسحاب إلى الداخل في مستوى الإستهلاك كبداية لتوسع ذلك إلى مختلف الأنشطة والمجالات. وبالطبع لم يكن هذا على أساس مخطط سلفاً من قبل الجماهير. لقد كان رد فعل شعبياً عفوياً وإيجابياً على تشديد القمع من قبل الإحتلال. وانتشر إجماع شعبي على مقاومة الإحتلال حتى دون تحديد خطة معينة للمنحى الذي سيأخذه  هذا الحراك الجماعي.

أُتبعت هذه الخطوة بقرار العمال داخل الخط الأخضر بانسحاب جماعي إلى الداخل من مواقع العمل في الكيان الصهيوني، وكذلك لم يكن هؤلاء مقودين بقرار قيادي من أحد. وهكذا قادت الطبقات الشعبية وخاصة العمال أنفسهم بأنفسهم. ولا شك أن هذه الانسحابات إلى الداخل هي أشكال جديدة من المقاومة ومن حرب الشعب. كانت مقاطعة منتجات الإحتلال بداية عملية هي اسهل للبدء بها مقارنة مع البداية بإعادة تشكيل قطاعات إنتاج الإقتصاد المحلي. 

كانت الطبقات الشعبية هي التي وجهت الإستهلاك صوب المنتجات المحلية، وهذا كان بدوره حافزاً لمستحدث المحلي كي يستثمر في بدائل للمنتجات التي قوطعت، أو وقف تدفقها إلى أسواق المناطق المحتلة. فكل مقاطعة لسلعة ما هو مثابة حافز استثماري لبديل لها، حافز تنموي.  والاستثمار بدوره بداية لإعادة تشكيل البنية الإنتاجية لقطاعات الإنتاج المحلي. 

وكان الانسحاب إلى الداخل إستهلاكياً مثابة بداية التغيير في نمط الاستهلاك. وهنا لعبت النساء، بما انهن مديرات خزينة الأسرة، دوراُ بارزاً في تعويد الأولاد على نمط استهلاك جديد موجه للإنتاج المحلي على حساب الإنتاج الصهيوني. لقد طوعت وكرست النساء البنية البطريركية بشكل تقدمي وذلك باستغلالهن لدورهن في المنزل ليوجهن ويُعدن توجيه قرار الإستهلاك.

والسؤال المترتب هنا: هل حقاً مقاطعة المنتجات الإسرائيلية وأماكن العمل هناك هي خطوة أو درجة في حرب الشعب كما اشرنا اعلاه؟ 

هذا تطور ومساهمة جديدان. فحرب الشعب بما هي جزء من النظرية الشيوعية بشكل عام، مفتوحة لمختلف المساهمات الفكرية والتطبيقية. فقرار الطبقات الشعبية بالمقاطعة هو مساهمة شعبية في نظرية حرب الشعب.

 

  1. الانسحاب إلى الداخل استهلاكياً

اتفاق أوسلو

اتفاق أوسلو

مع بدء الإنتفاضة باشرت الطبقات الشعبية تقليص استهلاكها من منتجات الاحتلال مما مهد الطريق لفك اندماجها وتبعيتها لإقتصاد الكيان الصهيوني الاشكنازي. إن هذا، وإن كان قراراً اقتصادياً، إنما هو نضال سياسي من الطراز الأول. كما أنه قرار تنموي دون مواربة لأنه يقاطع منتجات الآخرين، وهذه المقاطعة هي بحد ذاتها قرار استثماري لأن المقاطعة تتطلب تعبئة فراغ السوق من منتجات ما، اي وجوب خلق بديل. هذا هو قانون استدعاء أمر لآخر. وهذا القرار الشعبي، طالما هو شعبي، ليس شرطاً أن يكون بوسع البرجوازية استغلاله لشراء منتج آخر بديل له لتلبية ما سُمي  حرية المستهلك في الاختيار. فما تسمى حرية المستهلك في الاختيار هي في الحقيقة حرية عمياء محفوزة بشره عالٍ للاستهلاك (أنظر لاحقاً). أما هذا الإنسحاب فتم كما يلي:

  1. على الصعيد المحلي:

بدأت الطبقات الشعبية بتقليص استهلاكها بشكل عام مدفوعة بعدم معرفة المرء بما ستؤول إليه الأحوال في الأيام والأسابيع الأولى للانتفاضة. وبالتوازي مع تخفيض درجة الإستهلاك، اخذت الطبقات الشعبية في تشكيل تعاونها الذاتي بمساعدة بعضها البعض اقتصادياً مما شكل أرضية لتعاونياتها. وفي تلك الفترة تحديداً، بدأت تظهر على الكثير من المنتجات المحلية عبارة “منتجاتنا الوطنية”…الخ وقد توسع هذا الإنسحاب وتطور ليصبح نشاطاً سياسياً/وطنياً تمظهر في مقاطعة المنتجات الصهيونية، اي اتخذ حالة موسعة هي انسحاب المستهلك إلى الداخل.

ب. على الأساس الطبقي

 بدأ العمال الفلسطينيون في أماكن العمل في الاقتصاد الصهيوني انسحابهم إلى الداخل فور بدء الإنتفاضة حيث توقفوا عن العمل في تلك المواقع. في السنة الأولى للانتفاضة توقف 70 بالمئة من ال 155,000 عامل عن العمل في مواقع اقتصاد الاحتلال. كانت هذه مثابة قرار قاعدي بفك الإرتباط ، وهو قرار يناقض “نصائح” كثير من الإقتصاديين الفلسطينيين الذين طالما وعظوا بأن فك الإرتباط سوف يُضر إضراراً كبيراً بالاقتصاد المحلي، مؤكدين على لذة الإستنامة في حضن التبعية. ليثبت هؤلاء المثقفين أنهم دوماً ضد المبادرات الشعبية ولا سيما تلك التي تبادر بها الطبقات الشعبية، بما هي نقيضتهم. ولا شك أنه لو قامت الطبقات الشعبية بحساب لقرارها المقاطعة على المدى القصير، و بالحسابات الراسمالية للكلفة والفائدة لكانت قد اختارت الاستمرار في الخضوع. وفي حقيقة الأمر، كان على هؤلاء المثقفين أن يعملوا على تشجيع إقامة مشاريع لتشغيل العمال الذين غادروا العمل في مواقع اقتصاد الاحتلال، بدل الوعظ باستمرار التبعية. 

  أدت مقاطعة العمال هذه إلى وضع الكيان الصهيوني في إشكالية البحث عن عمالة بديلة. وهو الأمر الذي طالما تحدثت أدبيات الكيان عن ضرورة توفيره لمنع تدفق العمالة الفلسطينية إلى مواقعه الإقتصادية [10]. لكن دُعاة التبعية كانوا ، ولا زالوا، يفضلون الإنتظار إلى أن يطرد الإحتلال عمالنا، وهو ما حصل حقاً، في وقت لاحق، أي بعد مجيء السلطة الفلسطينية بموجب أوسلو، وقيام الاحتلال ببناء جدار التوسع الاستيطاني. وعليه، تزايد عدد العمالة الفلبينية والرومانية  والتايلندية…الخ ليصل إلى قرابة ربع مليون شخص. وهو عدد مساوٍ لعدد العاطلين عن العمل من الإسرائيليين أنفسهم. فطالما اشغل الإحتلال نفسه في حرب استنزاف ضد الفلسطينيين اقتصاداً وشعباً. فقد أثبتت الإنتفاضة الثانية أن الإحتلال طالما طبق سياسة المركز تجاه المحيط، وذلك بمنع حركة العمال إلى المركز بينما هو يقذف بمنتجاته وخدماته لتباع في المحيط. وأبعد من ذلك، فلم يبق الإحتلال مجالات عمل لفلسطينيين في اقتصاده سوى تلك التي يرفضها العمال اليهود، أو لا يتقنها ولا يمكن أن يشغلها العمال الأجانب الذين لا يملكون ورشاً خاصة بهم، ومن بينها ورش الألمنيوم، والأثاث والحدادة والنجارة والزراعة والبناء. إن أسعار هذه السلع التقليدية مرتفعة في السوق الدولية ويمكن إنتاجها في المناطق المحتلة بكلفة وأجرة ضئيلتين. 

إن الإنسحاب إلى الداخل وطنياً وطبقياً، هي من المكونات الأساسية لمشروع التنمية بالحماية الشعبية وهو المكون الذي يقود إلى الدرجة الأعلى منه وهو إعادة تشكيل او تركيب الإقتصاد المحلي، أي البدء بالاستثمار الإنتاجي. في هذا المناخ، كان واضحاً أن الطبقات الشعبية ممعنة في إتجاه حالة من الديمقراطية الإقتصادية الشعبية حيث تقر بنفسها مجالات أنماط الاستهلاك، ومجالات الإستثمار، والإنتاج والتسويق. أنها حالة المقاومة الإجتماعية/الإقتصادية إلى جانب أشكال المقاومة الأخرى.

تهمنا الإشارة إلى أن المبادرة إلى هذا النموذج حصلت في غياب سلطة طبقية محلية، دون دولة، ودون أي جهاز سلطوي وقبيل أن تمتطي الأمر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي طالما ادعت أنها هي التي فجرت الإنتفاضة! وبالطبع، كان غياب السلطة غياباً نسبياً، بمعنى أن سلطة العدو كانت موجودة، ولكن الانتفاضة، بما هي شعبية، شاغلت الإحتلال إلى درجة معقولة عن التنبه للمشروع التنموي، وهو الأمر أو الوضع الذي بوسعنا تسميته “المناخ الديمقراطي النسبي” الذي ترتب على إنشغال العدو وليس على تسامحه. فتدفق الجماهير إلى الشوارع أشغل الإحتلال عن المعركة التنموية حيث لم يكن بوسع الإحتلال متابعة الأنشطة التنموية، والتظاهرات السياسية اليومية في عموم أراضي الإحتلال الثاني 1967. 

لم تتمكن المؤسسات البلدية في الأرض المحتلة أن تلعب دور سلطة أو قيادة للإنتفاضة، ونظراً لكون فصائل م.ت.ف قد فوجئت بالإنتفاضة، فقد ملأت الجماهير الفراغ القيادي هذه المرة بتشكيل اللجان الشعبية في مختلف المناطق السكنية، حيث مارست هذه اللجان احتضان وتطوير المبادرات الشعبية على مستويات المقاطعة وتطوير الإقتصاد المحلي. وفي هذا المناخ شعرت الطبقات الشعبية أنها حرة في  الإستثمار في استراتيجياتها للبقاء بعيداً عن التدخل المباشر من الإحتلال وبعيداً عن آلية سلطة بيروقراطية محلية مساومة للعدو. وهو السلوك الذي قامت به لاحقاً، 1993، قيادة م.ت.ف وبه أنهت المقاطعة والانتفاضة معاً. كان النشاط التنموي هذا مثابة إجماع شعبي بدون هيمنة سلطة. وهذا هو المعنى الحقيقي لمجتمع مدني فعلي، المجتمع المدني للطبقات الشعبية التي تقود نفسها بنفسها في الإنتاج والموقف السياسي. إنها الديمقراطية الحقة، حيث الدولة البيروقراطية غير موجودة، وحيث السلطة بيد الذين يقاومون. هذه هي التنمية بالحماية الشعبية التي نبتت في غياب قبضتين معاً: قبضة العدو المحتل، وقبضة السلطة الطبقية المحلية. وحيث كانت الطبقات الشعبية قبل الإنتفاضة محرومة من كسب استقلالها السياسي، قررت إقامة مجتمعها المدني بطريقتها، و بقيادتها للمستوى الإقتصادي التنموي والمستوى السياسي الاجتماعي النضالي اليومي، بعيداً عن القيادة البرجوازية البيروقراطية. 

هو نموذج مجتمع مدني خُلق اثناء النضال الطبقي/الوطني ولم يُمنح أو يُصمم على يد المجتمع السياسي، خُلق عبر دور الطبقات الشعبية في ممارسة قرارها السياسي والاقتصادي. لكنها، بالطبع، لم تكن تعلم أن القيادة السياسية في تونس، كانت منذ الأيام الأولى للانتفاضة تخطط لتحصيل مكاسب سياسية بحتة ومحصورة من وراء كل هذا النضال. كما أن الطبقة الراسمالية المحلية، في معظمها، وخاصة شريحة الكمبرادور وشريحة التعاقد من الباطن، امتنعت عن الاضطلاع بدور البرجوازية الوطنية ذات التوجه الإنتاجي (كما بينّنا سابقاً وكما سنرى لاحقاً).

كان نضال الإنتفاضة نضالاً وطنياً وقومياً في آن. وهو بعكس التعريف الدارج للمجتمع المدني حيث يشكل مواطنون جمعيات طوعية  ومجموعات وحركات بشكل حر، لا لغرض الربح، ولكن للفائدة العامة وتتوسط بين المواطنين من جهة والدولة (المجتمع السياسي) من جهة ثانية لتحافظ على مصالح الشعب التي لا يتم صونها عبر ديناميات الصراع الطبقي. في حالة كهذه، تكون هناك حاجة للدولة كمظلة لتغطي بمسألة المجتمع المدني مشروعها في الهيمنة كبديل لمشروعها في السيطرة الإجتماعية التي هي جوهرياً سيطرة طبقية على المجتمع المدني نفسه الذي يعتقد بأنه لم يُدنّس بالهيمنة. 

في الحالة الفلسطينية هذه، وفرت إنتفاضة الطبقات الشعبية البيئة المناسبة لهذه الطبقات لخلق المجتمع المدني الشعبي بعيداً عن أجهزة الدولة وهيمنتها. وهو الأمر الذي لم يسمح به لا الإحتلال ولا برجوازية م.ت.ف. وقد يكون هذا ما دفع كلاً من الإحتلال من جهة، وقيادة م.ت. ف من جهة ثانية، وإن كان كل على حدة، للإسراع بعقد محادثات مدريد ولاحقاًً اتفاق أوسلو لتطويق هذا الحراك الشعبي الجذري. كما كانت الأنظمة العربية الحاكمة قلقة بدورها من ظاهرة الانتفاضة وانتشارها إلى الشعب العربي. 

 

2- إعادة تركيب القطاعات الإنتاجية شعبياً

كان يجب ان يتلو إعادة الانسحاب إلى الداخل قيام رأس المال المحلي وقيادة م.ت.ف بالمبادرة مشروع استهلاكي (تشجيع الاستهلاك من الإنتاج المحلي) و تشغيلي (إقامة مشاريع تشغيل للعمالة الكثيفة) كبديل للسوق ومواقع العمل الإسرائيلية. في هذه اللحظة، تضمن الطبقات الشعبية بنفسها لراس المال المحلي فرصة الإنتاج لسوق مضمونة تطوعاً لشراء هذه المنتجات بعيداً عن قدرة الإحتلال على الحيلولة دون ذلك، و بقطع الطريق على الكمبرادور. أنها عملية إعادة بناء وتركيب الحاجات الأساسية للناس ضمن حالة من حرية الإختيار النسبي في اتخاذ القرار. 

لقد بدأت الطبقات الشعبية بالاستثمار في التعاونيات الأولية (الإنتاج البسيط وإنتاج الخدمات) ومنها استغلال الأرض، أو العودة إلى الأرض، واستغلال حديقة المنزل، والتعاونيات المنزلية للنساء، وذلك باتجاه مقاطعة أكثر ما يمكن من منتجات الإحتلال. كما قام عمال ممن اكتسبوا خبرات تقنية بالبدء بمشاريع تصنيع زراعي مستفيدين من خبرتهم في العمل في شركات الإحتلال. وصمم البعض ماكينات بسيطة ووسيطة لاستخدامها في إنتاج الأساسيات. 

كانت العقبة الأساسية التي واجهت المستوى الأول من التنمية بالحماية الشعبية هي السيولة المالية، رغم أن كلفة خلق الوظيفة في هذه القطاعات ليست عالية مقارنة بخلق وظائف في القطاع الصناعي.  هنا كان لا بد لقيادة م.ت.ف و لرأس المال المحلي أن يبادرا بتنفيذ هذه الخطوة من التنمية بالحماية الشعبية، وذلك أن توفر القيادة قروضا سهلة للقطاعين الزراعي والصناعي او أن يقوم راس المال المحلي بالاستثمار في بيئة هي مهيأة لاستهلاك منتجاته البديلة لمنتجات الاحتلال. ولكن، كما أوضحنا أعلاه، فإن هذه القيادة وتلك البرجوازية كانتا مشغولتين في تهيئة النفس لحصاد مكاسب سياسية من وراء الإنتفاضة عبر المساومة مع الاحتلال. 

لا شك أن الطلب من رأس المال والقيادة كرأسمالية بيروقراطية أن تقدم قروضا استثمارية هو مرونة من جانب الحماية الشعبية ومع ذلك لم تتم تلبيته! 

هنا في هذه الحلقة من العمل أُعيقت التنمية بالحماية الشعبية. ففي حين قاطعت الطبقات الشعبية منتجات الإحتلال، وأماكن عمله، وفي حين كان يجب على الإستثمار المحلي أن يتلو ذلك، إلا أن ذلك لم يحصل. وفي الحقيقة أن هذا الفشل كان متوقعاً بناء على المصالح الطبقية والإيديولوجية لقيادة المنظمة و للبرجوازية الفلسطينية. لذا، لم يكن تقصير رأس المال والقيادة السياسية خللاً في نموذج التنمية بالحماية الشعبية، بل هي تحد كشف عن طبيعة هذه الطبقة وتلك القيادة. ولعل ما حمى قيادة المنظمة من دفع ثمن هذا التقصير هو كونها خارج الأرض المحتلة حتى ذلك الحين. ولكن، حينما دخلت هذه القيادة إلى الأراضي المحتلة بموجب اتفاق أوسلو 1993، أتت لتأتي على منجزات الإنتفاضة حيث بدأت بوقف المقاطعة بحجة أن ما جاء بها إلى الأرض المحتلة كان “سلاماً”. هذا مع العلم أنه لو كان سلاماً تبقى التنمية بالحماية الشعبية حقاً لا يناقض علاقات السلام.

كانت مختلف قرارات الإقتصاد قبل الإنتفاضة بيد الإحتلال، ونظامه العسكري تحديداً، وهو الأمر الذي تماهت معه الرأسمالية المحلية وتصرفت بموجب تعليماته. لكن مشروع التنمية بالحماية الشعبية قلب المعادلة، حيث وضع المبادرة بيد الطبقات الشعبية التي جعلت من إعادة تركيب البنية الإنتاجية حاجة ملحة وذلك لسببين:

الأول: لتلبية ما أمكن من الحاجات الأساسية للناس و لتمتين مقاطعة منتجات الإحتلال. والثاني: لتوفير أكبر عدد ممكن من شواغر العمل على الأقل لأولئك الذين غادروا العمل في منشآت الإحتلال  الإقتصادية.

هذا لا يعني أنه كانت لدى الطبقات الشعبية خطة مجهزة سلفاً لإنجاز هذه الأهداف. ولكن المبادرة الذاتية والحرة للطبقات الشعبية كان لا بد أن تتطور لإنجاز هذه الأهداف بما أن ذلك هو التطور الطبيعي لها. من المهم الإشارة هنا إلى أن التشغيل في نطاق الحماية الشعبية لم يقم على الأساس الرأسمالي، بل التعاوني. فجزء منه قام على التشغيل الذاتي، وبالطبع ظل الكثيرون ضمن التشغيل الرأسمالي. والمقصود هنا، أن أكثر من نمط إنتاج قد تعايشا معا. 

ومرة أخرى، فإن الإستثمارات المالية للطبقات الشعبية هي محدودة، وبالتالي ليس بوسعها خلق فرص عمل على النطاق الوطني وفي فترة زمنية محدودة ومتحركة جداً، بحيث ترد هذه الإستثمارات على الحاجات الملحة لتشغيل العاطلين عن العمل اصلاً والذين طرأوا على سوق العمل إثر الإحتجاب عن العمل في مواقع التشغيل الصهيونية. فقد انحصرت استثمارات الطبقات الشعبية في خلق فرص عمل محدودة في الزراعة والإنتاج المنزلي وإنتاج بعض ما كان ينتجه العمال الفلسطينيون داخل مواقع الإحتلال ولا سيما منتجات التصنيع الزراعي.

ولعل ما قيَّد إلى درجة كبيرة قدرة الطبقات الشعبية على الإستثمار هو ما قامت به سلطات الإحتلال كخطوة أولى لضرب المستوى التنموي للإنتفاضة وذلك:

أ- تخفيض سعر صرف الدينار الأردني عام 1988 مقابل الشيكل الإسرائيلي. فبعد أن كان سعر صرفه دينار مقابل 6 شيكل، هبط إلى دينار مقابل 3,5 شيكل، وهذا امتص مدخرات وموجودات الطبقات الشعبية التي ظلت تدخر بالدينار الأردني استمرارً لفترة ما قبل 1967، وثقة بالدينار خلال حقبة الطفرتين النفطيتين 1973 و 1982. 

ب- كما شرعت سلطات الإحتلال بفرض ضرائب عالية على التعاونيات واعتقال ناشطيها. 

وفي أعقاب السنوات الثلاث الأولى للانتفاضة، أي 1991 شرعت سلطات الإحتلال بتشديد قبضتها على الانتفاضة الشعبية وخاصة المستوى الإقتصادي وقد تواكب ذلك مع تدمير العراق وبدء مفاوضات مدريد ودخول مرحلة التراخي الوطني والتنموي. بعبارة أخرى شرع الاحتلال بحرب اقتصادية ضد الإنتفاضة. أي بدأت عملية تصفية نافذتي الديمقراطية النسبية للمشروع التنموي للانتفاضة وذلك عبر تشديد القمع الإحتلالي، وبدء دخول قيادة المنظمة كحكومة مقبلة للأراضي المحتلة.

مرة أخرى، كان من الملح وجود مناخ استثماري لاستيعاب قرابة 200 ألف عاطل عن العمل.  ولكن قيادة المنظمة كانت مشغولة بأمر آخر، هو الوصول إلى سلطة سياسية ما في الأرض المحتلة. والأهم، أنها كانت مجبولة بالإيمان بالمشروع الخاص والسوق الحرة والانفتاح الاقتصادي.

بعد ثلاث سنوات أعقبته، فإن ما أتت به قيادة المنظمة إلى الضفة الغربية وغزة،  هو خلق قطاع حكومي، لا قطاع دولة، قطاع للقمة القائدة في حركة فتح التي تسلمت سلطة الحكم الذاتي من الإحتلال. قطاع احتكر الدخل المتأتي من الشركات الكبيرة للبترول والسجائر والإسمنت…الخ، وهو دخل لم يُحول إلى موازنة السلطة، بل روكم في ميزانية خاصة بالرئاسة. كما أن مقاديره ليست معروفة ويجري الصرف منه على تجنيد الولاء السياسي للحزب الحاكم. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أنظمة الحكم في المركز الراسمالي الغربي ظلت تزعم بأن سلطة الحكم الذاتي شرعية فقط لأنها منتخبة، وبكل الخبث الممكن لم تناقش مع هذه السلطة ذلك الفساد! كما لم تعترض قطاعات كثيرة من المثقفين على هذا وبقيت تتغنى بشرعية السلطة. وهذا عزز اقتناعنا بأن أضعف خاصرتين في البنية الكفاحية الفلسطينية هما، النخبة السياسية والنخبة المثقفة. 

وبدورها، طالما زعمت منظمات الأنجزة أنها تقوم بمهمة تنموية في الأراضي المحتلة، ولكن ما ثبت من شغلها هو تجنيد قطاعات من كوادر اليسار وتحويلهم عن عملهم السياسي إلى خدمة هذه المنظمات بغض النظر عن أجندتها. فهذه المنظمات لم تمول تعاونيات لإصلاح الأراضي على سبيل المثال علماً بأن الصراع مع الكيان الصهيوني هو اساساً على الأرض والتمكين فيها، أي اتبعت هذه المنظمات تعليمات الكيان الصهيوني فيما يخص الأرض. وبقي ما نشطت فيه في القطاع الزراعي ضمن التشبيك بين الملكيات الخاصة وخاصة في التسويق. أما عملها الرئيسي فظل في نطاق “حقوق الإنسان، والديمقراطية والمجتمع المدني، والمرأة –برؤية نسوية رأسمالية غربية وليبرالية بالطبع…”.  وفيما كانت م.ت.ف قد زعمت قبل أوسلو أنها ستقيم دولة فلسطينية على غرار تايوان أو سنغافورة. إن هذا المشروع رجعي في جوهره ومظهره، باعتبار هذين النموذجين “فترينات” عرض لمفاتن راس المال في مواجهة الشيوعية في الصين، وفيهما كغيرهما من دول “التنين” الأربع استغلال هائل للعمال وغياب للديمقراطية وغياب للقطاع العام الإنتاجي. والأهم أنه حتى هذا النموذج تضن به دول المركز على الفلسطينيين لأنها تعتبر الكيان الصهيوني هو وحده المطلوب للمنطقة، أي “لا تايوان هنا غير إسرائيل”. 

وبدل أن تستثمر البرجوازية المحلية في تصنيع يخلف منتجات الإحتلال، لجأت إلى الطريق السهل فردياً والأخطر وطنياً حيث واصلت استيراد منتجات الإحتلال، ولم تقم إلا بوضع دمغة على صناديق البضائع تحمل أسماء معامل محلية تحولت إلى مخازن لهذه المنتجات المستوردة. وفي أرقى الأحوال أقام هؤلاء شركات تعاقد من الباطن جديدة. هذا عوضاً عن الإستثمار الإنتاجي البديل أو إعادة تشكيل ما أمكن من البنية الإنتاجية. 

كان هذا النهج من الكمبرادور وقيادة م.ت.ف هو إرغام المواطن على استهلاك منتجات الإحتلال لعدم وجود غيرها، ومما ساعد على ذلك، أن نهج المقاطعة الشعبي لم يكن قد تحول آنذاك إلى نهج سياسي جماعي وصل إلى درجة بلورة حركة سياسية شعبية لتقوده للضغط على البرجوازية، اي أن قوى المقاومة كانت ما تزال تتلمس طريقها لاستثمار الإنتفاضة في مكسب سياسي ولم يكن همها الوصول بالانتفاضة إلى انتفاضة اقتصادية تنموية اجتماعية ثقافية. وهذا ما يعزز اعتقادنا بأن ما هو على الأرض هو اقتصاد الطبقة وليس الشعب.

كان التطور الطبيعي للفائض المتحصل من مقاطعة منتجات الإحتلال هو أن يجد هذا الفائض طريقه إلى الخارج بدل أن يتم استثماره محلياً. وحتى في حقبة السلطة الفلسطينية بعد أوسلو، ورغم افتتاح العديد من البنوك المحلية والعربية والأجنبية، إلا أن الفوائض المودعة فيها كانت تُحول إلى الخارج، ولا تقدم المستوى المطلوب من التسهيلات للإستثمار المحلي، أما موقف السلطة من ذلك فبقي محكوماً بالتعبُّد في محراب  ” سياسة الباب المفتوح” التي نصح بها البنك والصندوق الدوليان. 

 

 [9]  أنظر مقالة عادل سمارة، الإقتصاد الآخر للإنتفاضة: إقتصاد الطبقة، في كتاب الإنتفاضة مبادرة شعبية، دون دار نشر، 1990.

 

[10]  وفيما يخص السياسة الإسرائيلية للتخلص من العمال الفلسطينيين، أنظر عادل سمارة، من إحتجاز التطور إلى الحماية الشعبية، دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق 1990. علينا التذكر بأن إسرائيل هي كيان استعماري استيطاني بنت طبقتها العاملة على أرضية عنصرية “العمل العبري”، وحينما اضطرت إستثناءً لتشغيل عمالة عربية، كان ذلك لحاجتها إلى عمالة من جهة وقابلة بأجور ضئيلة من جهة ثانية.

 

يتبعالجزء الرابع

 

الجزء الأول

 

الجزء الثاني

 

الجزء الخامس

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب د. عادل سمارة

د. عادل سمارة

مواضيع متعلقة