نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

تراثنا … وكيف نقرأه في زمن الهزيمة: مراجعة نقدية (الجزء الرابع)

img

كيف نقرأ التراث؟

وكيف نتعامل معه؟

د.مسعد عربيد

د.مسعد عربيد

د. مسعد عربيد

 

ملاحظات في النهج

 

لا تعنينا، في سياق هذه المقالة، معرفة التراث (أو التاريخ) بالمعنى المطلق للمعرفة، أي المعلومة بحد ذاتها لوقائعه وأحداثه، لأن هذه المعرفة المجردة لا أهمية لها سوى في دائرة الذهن. كما نلحظ، بعد العرض الموجز للمواقف من تراثنا، خللاً في المنهج وغياب الموضوعية والعلمية فيما يتوصل إليه من استنتاجات. فالتراث لا يتشكل في فراغ، بل تتكون عناصره في بيئة اجتماعية معنية ووفقاً للقوانين التي تنظم حركتها وصيرورتها. لذا، فإن ما يهمنا، هو “نهج” هذه المعرفة في التراث أو التاريخ، أي نهج القراءة والتحليل، وأن يستند هذا النهج إلى انتماء وموقف فكري وسياسي واجتماعي معين. هذا هو جوهر فهمنا لتراثنا، وبدونه تبقى معرفة التراث أو التاريخ معرفة مجردة لا تقدم لنا سوى معلومات معزولة عن المكان والزمان أي خارج السياق.

 

يساعدنا هذا النهج في فهم التراث على تفسير الكم الهائل من التضارب والتناقض (ولا أقول التنوع) في قراءة التراث العربي، فكل باحث أو مفكر ينتج معرفةً وموقفاً ينسجم مع بنائه الفكري أو منطلقاته الأيديولوجية. فالتاريخ هو التاريخ، والتراث هو التراث، لا يتكرر ولا يتعدد، غير أن ما يتعدد ويتباين هو البنى الفكرية التي يُقرأ بها. 

 

بناءً عليه، فإننا نقترح أن تقوم قراءة التراث على الركائز التالية: 

 

1) ينبغي أن تقوم النظرة للتراث العربي، خاصة الشعبي منه والفكري والسياسي، على فهم طبقي يستند إلى المنهج الجدلي المادي لقراءة التراث والماضي: أي أن التراث تعبير عن صراع اجتماعي طبقي عرفته المجتمعات العربية،كغيرها من المجتمعات البشرية. فليست المجتمعات العربية وحدها هي التي تواجه إشكالية التراث، مع الإقرار بخصوصيات كلٍ من هذه المجتمعات.

 

2) يتوجب علينا أن نبني منظوراً نقدياً للتراث، والبحث عن الجوانب التقدمية والثورية فيه دون الإفراط والتركيز على سلبياته، ولا التحقير من شأنه أو التقيد الحرفي (النصي) به. ومن هنا أهمية التعامل معه من منظور الفهم الجدلي (الديالكتيكي) للمرحلة التي جاء فيها، ونهج التفسير والتأويل ليخدم بروحه، وليس بالضرورة بنصه، تشخيص الواقع القائم وتغييره ثورياً.

ولأهمية هذه المسألة، فسوف نعود إليها لاحقاً.

 

3) التراث، موضوع هذه الدراسة، هو أحد مكونات المشروع التنويري، غير أن هذا الموضوع  لا يتناول التراث لوحده، بل يشمل كافة أوجه وجوانب الوعي الشعبي الكفيلة بتوعية وتثقيف المواطن العربي واستنهاض قدراته وانخراطه في المعارك المصيرية والتحديات التي تواجهنا.

وعليه، بالإضافة، ينبغي لقراءة التراث أن تكون استشرافية وافية، بمعنى أنها قراءة من أجل رسم المستقبل وآفاقه، فيكون كشف الماضي من أجل فهم الحاضر والإضاءة على إشكالياته ومن ثم استشراف المستقبل. وهنا يأخذ خلق الوعي الشعبي الجديد والإنسان الجديد موقعاً مركزياً في فهم التراث ونهج قراءته والغاية من التوعية الشعبية به.

 

على هذه الأرضية، نتناول القضايا الثلاث التالية لأهميتها في بناء مشروعنا، لننتقل بعدها إلى طرح بعض المقترحات.

 

(1)

في نقد النهج الانتقائي

 

■ نقصد هنا الانتقائية التي يتبعها كثير من الباحثين والكتّاب في الإصرار على والمغالاة في كشف الجوانب المستورة والمُغيبة من تراثنا وتاريخنا، ولكنها سردية انتقائية بمعنى أنها، في حين تعمل على كشف المطموس من الجوانب والوقائع السلبية والمتخلفة من تراثنا، فإنها، بالمقابل، تغيّب الكثير من جوانبه التقدمية والثورية والإيجابية ولا تكلف نفسها مشقّة الكشف عن هذه الصفحات المضيئة.

 

ليس هناك من خلاف على ضرورة الكشف عن المحطات التاريخية الهامة في تاريخنا التي طُمست بغية تجهيل الناس، ومن ضمنها حقبات الاستبداد والظلم والتخلف. فهذه مهمة لا مفر منها. ولكن بالمقابل، فإنه من الأهمية بمكان الإضاءة على التجارب والمحاولات والتيارات التقدمية والثورية وتوعية الجماهير بها، وهي ليست قليلة ولا نادرة كما يريد البعض أن يوحي لنا، بل إن تاريخنا حافل بها. وبدون هذه الإضاءة، يبقى الكشف عن المطموس ونقده منقوصاً وهدّاماً.

 

بمقدور المرء أن يفهم القراءات التي تسعى إلى كشف الحقائق التاريخية التي تمّ طمسها، ولكن ألاّ تجرأ هذه القراءات على الإضاءة على الجوانب المشرقة والثورية في تراثنا وتثقيف الناس بها، فهذا الأمر ليس بريئاً ولا يمكن تبريره، وهو ما يجعل هذه القراءات انتقائية وهدّامة ولا تصطف في خدمة مشروع تنويري للوعي العربي المأزوم.

 

لهذه الأسباب، نجد خشية لدى الكثيرين من أن يتحول النقد الانتقائي لما تمّ طمسُه، إلى موقف إقصائي من التراث والتاريخ بمجمله. أي أن تتحول محاولات الكشف عن المطموس في تراثنا إلى تغييب الجوانب الإيجابية والتقدمية منه. وهو ما يؤدي إلى الازدراء بتراثنا واحتقاره وهدر جوانبه الحضارية والإنسانية.

 

■ هنا ينبري سؤال وماذا بعد أن فنّدنا مظاهر ووقائع القتل والوحشية والخديعة في تراثنا تاريخنا؟

هل الهدف هو الوصول إلى الحقيقة المطلقة والمجردة؟ ومتى كانت هذه الحقيقة، إن وُجدت، الغاية من قراءة التاريخ؟

هنا نعود مجدداً إلى السؤال المركزي: ما هو نهج التحليل؟ ومن أي انتماء فكريٍ وسياسيٍ ينطلق؟ وهو ما يقودنا إلى سؤال: ما هو مشروعنا؟ وكيف نقدم قراءة للتراث والتاريخ في خدمة هذا المشروع؟ 

 

في رأينا المتواضع أن خدمة المشروع التنويري والتثقيفي الشعبي لا يتسنى دون منهج مادي تاريخي يضع نصب عينيه خدمة مصالح الطبقات الشعبية/الأغلبية السكّانيةفي بلادنا. فلو كنا أصحاب مشروع يسعى لبناء وعي شعبي، ولو كان جهدنا موجهاً نحو مشروع تنويري وتثقيفي، لتوجب علينا أن نبني على ما هو إيجابي، لا أن نكتفي بهدم ما هو سلبي. فالهدم دون تشييد بناء جديد لا يخدم مصالح شعوبنا، ولا يستعيد وعي الشارع العربي، ولا يسعى إلى تجنيد وتحشيد قوى الجماهير لأي برنامج أو مشروع نضالي مستقبلي.

 

(2)

الإضاءة على الجوانب الإيجابية لتراثنا

 

يتجاهل تغييب التراث الشعبي التقدمي، حتى في بعض جوانبه الدينية التي هي جزء من السياق الذي جاءت فيه، يتجاهل حقيقة أن تيارات وحركات المقاومة الصامدة اليوم في وطننا العربي، وخاصة المشرق منه، في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني و الإمبريالي الغربي، هذه التيارات تغرف من معين تراثنا التقدمي والثوري والديني ايضاً، وتستند إلى ركائز دينية وأيديولوجية من هذا التراث. 

 

وعليه، فإن قراءة التراث مدعوة إلى أن تتطور وتتعمق كي تصبح:

– موقفاً رافضاً ومناهضاً لتجهيل الشعب ومطالباً ببناء مشروع تنويري هدفه التوعية والتثقيف بالتجارب التراثية الثورية والإيجابية.

– من هنا، تصبح المهمة الملحة والضرورية هي التركيز على الجوهر والمضمون التقدمي والإضاءة على التجارب التقدمية والثورية وشرحها للناس. هذا هو الأكثر وتأثيراً في فهم الحاضر وبناء مشروع المستقبل، لأنه يساهم في خلق الوعي الشعبي وتكوين الحاضنة الشعبية والمجتمعية له.

 

حين يتوفر هذان الشرطان (مناهضة تجهيل الشعب والتركيز على التجارب الثورية والتقدمية)، يصبح التراث وكيفية قراءته موقفاً ورافداً في كفاح الشعوب ضد الاستغلال والفقر والظلم، وهو ما يقدمه تراثنا من خلال تلك التجارب. نعم، لقد جرت محاولات جدّية للكشف عن هذه التجارب، ولكننا بحاجة ماسة إلى معاهد ومراكز بحثية وفكرية وعلمية تتخصص بهذا المجال و تغرف من تراثنا ما غُيّب عنا لقرون طويلة.

 

هذا هو ما قصدناه حين قلنا إن المطلوب هو القراءة الدقيقة والنقدية للتراث والتاريخ لا القراءة المجردة، من أجل استنهاض جوانبه التقدمية والثورية، وهي كثيرة، واستثمارها في استعادة الشارع ودوره وثقته بنفسه وبأمته وقدراتها، وكبح الإحباط الذي أصاب شعوبنا لعقود عديدة. فهذه التجارب ودروسها لا يمكن طمسها وهي باقية و منغرسة عميقاً في الوجدان والذاكرة العربية ولا يمكن محوها أو إزالة آثارها، ونراهها تستيقظ دوماّ إبّان الأحداث التاريخية المفصلية والساخنة. ولذلك فهي قادرة على إلهام الشعوب وخصوصاً في أوقات الأزمات والمعاناة.

 

(3)

نحو قراءة طبقية للتراث

 

تمثل الأفكار التي تسود في تركيبة اجتماعية معينة، في مجتمع وسياقٍ تاريخيٍ ما، أفكار الطبقة/الطبقات الحاكمة (المهيمنة) وبنيتها المسيطرة على السلطة. ومن أجل حماية ذاتها والحفاظ على مصالحها، تقاوم هذه الطبقات الأفكار  والمفاهيم التي تتناقض مع مصالحها، ما يعني محاربة الأفكار التي تعبر عن مصالح الطبقات التي تصارعها طبقياً واجتماعياً وسياسياً: أي مصالح وأفكار وثقافة الطبقات الشعبية التي تعبر بدورها عن مصالحها الطبقية والمادية وطموحاتها في الإيفاء باحتياجاتها الأساسية ومحو الاستغلال والعيش الكريم. 

 

بهذه العيون تنظر القوى المهيمنة وأدواتها من المثقفين والمفكرين والكتّاب إلى التراث تعبيراً عن الأفكار الرجعية واليمينية والغيبية، فتتنكر لكل ما هو تقدمي وثوري وترفض ما يخدم مصالح الطبقات الشعبية الفقيرة والكادحة. 

 

وقد شهدنا في حقبات متعددة من تاريخنا، قديمه وحديثه، كما نشهد اليوم في حاضرنا الراهن، تفشي الأفكار الرجعية المتخلفة وقمع الطبقات المهيمنة للفكر التقدمي الثوري الذي يعبر عن مصالح وطموحات الجماهير والطبقات الشعبية وكبت أصوات المفكرين التقدميين والثوريين. 

 

بناءً عليه، فإننا نلحظ البعد الطبقي غائب في قراءة تراثنا، وأنه في حين يتوجب دراسة التراث من خلال قراءته قراءةً منطلقة من ومنسجمة مع التحليل الطبقي للمجتمع، نرى أن ما يسود في ثقافتنا هو نهج سردي للتراث والتاريخ العربيين يتفادى المسألة الطبقية، ويقدم لنا التاريخ والتراث على نحو  كرونولوجي لا يتناول التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية التي تتسم بها هذه المرحلة أو تلك، ناهيك عن أن هذا النهج يغيّب الكثير من حقائق التاريخ ووقائعه. لذلك نقول إن النهج السردي الكرونولوجي السائد في تقديم التراث لشعوبنا، هو نهج ينطلق من منظور الطبقة الحاكمة وأفكارها التي تسود في المجتمع، وأن هذه السردية تعبر عن مصالح السلطة وتتناقض مع مصالح الطبقات الشعبية والجماهير .

 

الجزء الأول

 

الجزء الثاني

 

الجزء الثالث

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

admin
محرر الموقع

مواضيع متعلقة