نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

تراثنا … وكيف نقرأه في زمن الهزيمة: مراجعة نقدية، (الجزء الثالث)

img
د.مسعد عربيد

د.مسعد عربيد

د.مسعد عربيد

 

حول فهم العنف في تاريخنا وتراثنا

■ ليست أعمال العنف في السياسة والتاريخ أمراً نادراً في حياة الشعوب، ونكاد لا نجد تاريخ شعب أو حضارة تخلو منها.[1] ولكن أن نقرأ العنف أو القتل في التاريخ والسياسة، دون اعتبار السياق الذي جاءت فيه، فهذا أمر يشتمل على الكثير من التسطيح لمسألة معقدة. وهنا لا نقصد بالسياق مجرد السرد التاريخي لهذه الوقائع والأحداث، بل السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يفسر البني المادية والظروف الاجتماعية – الاقتصادية والمصالح الطبقية التي تصارعت في المجتمع آنذاك. وبدون هذا الإطار، فإن قراءة أعمال العنف والقتل والوحشية في تاريخنا، تؤدي إلى تضليل وابتزاز لوقائع التاريخ من أجل توظيفها لخدمة غايات سياسية معينة، وفي إثبات أيديولوجيا أو موقف إيديولوجي معين.

■ يمكننا أن نقرأ أعمال العنف والقتل والبطش  في مستويين على الأقل:

1) مستوى السلطة والصراع عليها، وهذا موجود في مجتمعات وديانات أخرى كما في الإسلام.

2) والمستوى الشعبي، بمعنى التجنيد والتحشيد الشعبي والجماهيري في سياق ظهور الحركات الإرهابية وتشكيل جيوش من آلاف الإرهابيين التي تقترف أعمال القتل وتنشر الدمار في بلادنا.

رب قائل بان هذا المستوى الشعبي هو داعش والنصرة وغيرها من عشرات الحركات الإرهابية، وهذا صحيح، ولكن لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار الملاحظتين التاليتين:

1) بات الكل يعرف مَنْ أسس هذه المنظمات ومولها ودربها وما هي أهدافها.

2) إن السياق – الذي ظهرت فيه هذه التنظيمات، ومتى وكيف استيقظت النزعات العنفية – واضح بشكل ساطع: وهو سياق هزيمة المشروع العربي القومي الاشتراكي العلماني.

من هنا نقول، إن محاربة العنف والإرهاب تتطلب بالضرورة (1) الكشف عن وتعرية المحطات التاريخية (وهي كثيرة) التي شهدت استبداداً وظلماً وتخلفاً وقمعاً للأفكار التقدمية والثورية والتي كثيراً ما يتم تجاهلها وطمسها بغية تجهيل عامة الناس بها، (2) ولكنها تستدعي ايضاً عدم إغفال الجوهر والمضمون التقدمي لتراثنا وتسليط الضوء على التجارب والمحاولات التقدمية فيه.

■ لا شكّ أن سنوات العقد الماضي وما جلبته الحركات الإرهابية التكفيرية على شعوبنا من جرائم وكوارث وتدمير البنى المادية للملايين من أهلنا، خصوصاً في سورية، لا شكّ أن هذا كله قد وفر التربة الخصبة والملائمة لتفشي المقولات:

–  التي تحتقر تراثنا وتصفه بأنه تراث عنف وقتل؛

– وتلك التي تذهب إلى أن جرائم القتل والعنف الوحشي أمور كامنة في تاريخنا وفي تراثنا وبنيتنا النفسية والعقلية؛ وأن هذه الحركات الإرهابية وجرائمها جاءت تجسيداً مادياً وتعبيراً عن هذه الكوامن الدفينة فينا والمخفية في تراثنا.

وليس غريباً في مثل هذه الظروف، أن تصبح هذه الأفكار مقبولة لدى قطاعات كبيرة من جماهيرنا.

■ كذلك نلحظ أن المقولات والأفكار السائدة في قراءة وفهم إشكالية العنف الوحشي في هذه الحقبة من تاريخنا، تركّز على الإسلام (كديانة) وعلى التاريخ والتراث العربيين. وفي هذه النظرة ينضم الكثيرون من كتّابنا إلى الغرب الإمبريالي في ترويج هذه المفاهيم.

صحيح أنه من أجل فهم ظاهرة العنف الوحشي المنظم – كأداة ووسيلة لهذه التنظيمات الإرهابية في تحقيق أهداف سياسية واجتماعية – لا بدّ من العودة إلى الجذور والركائز الفكرية والأيديولوجية والتربوية والسيكولوجية في تكوين مَنْ يقترف مثل هذه الجرائم، ولكن هذا بالطبع ليس معزولاً عن التراث والدين وتفسيرهما وتأويلهما ودور المؤسسة الدينية. بالإضافة، فإننا نرى أن فهم العنف الوحشي في التاريخ والتراث، وهنا نقصد تراث وتاريخ أي شعب حيث أن الأمر لا يقتصر على شعوبنا، يجب أن يستند على المنطق التالي: إن تعريف العنف المنظم وفهمه وتحديد وسائل محاربته، يتطلب الوقوف على عوامل عدة من أهمها: البنية التنظيمية والسياسية للمنظمات الإرهابية وعلاقاتها بقوى الدين السياسي وبالأنظمة الحاكمة، وسياق الاستيلاء (او الحفاظ) على السلطة والصراعات الطبقية، ومصالح وأجندات القوى الإمبريالية في بلادنا ودور أجهزة المخابرات المحلية والدولية وغيرها. لذا، فحين نفسر دور ووحشية المنظمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش والنصرة وما سواها، لا يكفي أن نردها إلى تراثنا وتاريخنا وبعدها نريح عقلنا من مشقة البحث والتنقيب.

■ كثيراً ما يستخدم أصحاب هذا التيار، من أجل تعزيز وجهة نظرهم، أسلوب الاستشهاد بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية وأقوال للصحابة، بغية الزعم والربط بين الإسلام (كعقيدة إيمانية) وأعمال العنف والقتل والإرهاب. وبدون الدخول في متاهات الجدل الديني والفقهي، يجدر بنا التأكيد بموضوعية على أن أعمال العنف الوحشي لا تأتينا من تعاليم الإسلام، ويكفينا أن نقول إنها في الحقيقة تتنافي مع الغاية الدينية والروحية لهذه الديانة. غير أنه كثيراً ما يجري تأويل هذه الآيات أو الأحاديث خارج السياق الذي أتت به من أجل استثمارها في الصراعات القائمة اليوم في مجتمعاتنا. كذلك يقوم آخرون باستخدام هذا النهج في التفسير والتاويل لتبرير مقولة إن الوحشية والبطش والقتل أمور كامنة في بطن تاريخنا وتراثنا، وبهذا يفسرون استيقاظ هذه النزعات وعودتها إلى الظهور في السنوات الأخيرة. وهذا الاستنتاح أيضاً

يفتقر إلى العقلانية والمنطق ويأسر نفسه في سياق التفسير الميكانيكي.

■ ما نقصده هنا، وما ندعو إليه، هو أن الفهم العلمي والصحيح لظاهرة العنف والقتل والإرهاب في تاريخنا وحاضرنا يكمن في سياق توظيف هذه الظاهرة في خدمة الأهداف السياسية لقوى الدين السياسي: أي (1) أنظمة الدين السياسي (مثل أنظمة السعودية والخليج وتركيا…)، و(2) القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقف خلفها والمستفيدة منها في الحفاظ على مصالحها وموقعها، (3) والحركات والأحزاب والتنظيمات والتيارات الإرهابية التكفيرية، (3) وبالطبع، وكي لا ننسى، القوى التي تقف ورائها وتقودها أي الإمبريالية الأميركية والأوروبية، فتلك هي التي خلقتها ومولتها ودربتها لخدمة غاياتها السياسية.

تراثنا في العقل السلفي

سعى المشروع التنويرى العربي منذ بواكير أفكاره وتياراته في القرن التاسع عشر، إلى الإجابة عن سؤالة المصيري آنذاك: لماذا تخلفنا؟ (جاء ذلك التساؤل في تلك الآونة في سياق لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب؟). وطمح هذا المشروع إلى أن تقدم الإجابة على هذا السؤال إلى فهم الماضي من أجل صياغة الراهن والمستقبل العربي.

مسألتان استحوذتا على اهتمام روّاد هذا المشروع وطغتا على الجدل المحتدم آنذاك:

1) كيف نستثمر العلوم والتكنولوجيا والصناعة (التصنيع) في تقدم مجتمعاتنا. وقد بُذلت في هذا المضمار جهود كبيرة.

2) والمسأله الثانية: هل الجمع بين العلم والدين ممكن؟ وكيف يتم ذلك؟

وقد اعتقد روّاد الاصلاح الديني جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما، أن الجمع بين الدين والعلم ممكن ولا يتناقض مع تعاليم الإسلام ويوفر سبيلاً إلى تقدم المجتمعات العربية والإسلامية.

وبعد أكثر من قرن ونصف من الزمن، ما زلنا نقف أمام هاتين المسألتين:

– فهل كانت فرضيتهم في تلاقي العلم والدين صحيحة؟ وإن صحت في ذلك الزمان، فأين نحن منها اليوم؟

– وماذا أحرزنا من التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي بعد هذه العقود الطويلة؟

(الإجابة على هذين السؤالين ماثلة أمامنا في كافة تفاصيل واقعنا المزري اليوم.)

* * *

خلال هذه المسيرة الطويلة، ظلّ التراث منذ ذلك الحين – ودوره وكيفية قراءته والنظرة إليه -موضوع جدل في كافة التيارات والمدارس الفكرية والسياسية العربية، وأخذ كل مشروع فكري – سياسي ينتقي من تاريخنا وتراثنا ما ينسجم مع نهجه الفكري والأيديولوجي، وما يخدم غاياته السياسية. وكثيراً ما تسبب ذلك في قراءاث وتفسيرات خاطئة ومضللة، والكثير من سوء الفهم والتعميم. ولم تقتصر هذه المحاولات على الفضاء الفقهي أو الفكري والثقافي، بل طالت، في الكثير من الحالات السياسة والمجتمع، وجاءت  استثماراً في خدمة غايات ومصالح سياسية، إذ أنها لم تكن محاولات “بريئة”، فلا براءة في السياسة ولا في التاريخ.

ما يهمنا الإشارة إليه في سياق هذه الدراسة هو موقف العقل السلفي من تراثنا وكيف نتعامل معه.

يعيش العقل السلفي ‏في قفص الماضي، ويريد أن يعيدنا وفق إدّعاءاته، إلى ذلك الماضي  الجميل في ظل ما أسماه “التراث” لأنه “الحل والبديل” لراهننا المتردي. وهنا لا بدّ من الانتباه إلى أن للتراث في منطق العقل السلفي معنى وتعريف محددين. فهذا العقل يرى التراث والتاريخ في جزئيات ينتقيها ويروج لها كي تخدم أجندته.

فيما يلي نقدم بعض الملاحظات التي تعيننا على فهم العقل السلفي والأصولي ونظرته إلى التراث. وهي محاولة متواضعة تحتاج إلى المزيد من الجهود الجمعية والمتكاتفة في الدراسة والبحث والعمل على تثقيف شعوبنا.

■ يرى العقل السلفي أن الحياة والمجتمع يجب أن يعودا إلى ما كان عليه الإسلام وأصوله في عهد النبي ‏والصحابة، ولكنه يرفض أن ينظر إلى ما هو خارج هذا السياق، وما حصل في مجتمعاتنا وفي العالم من تغيرات عميقة على مدى القرون الأربعة عشر التي انقضت منذ مجيء الإسلام. إضافة إلى ذلك، ينكر السلفيون ما أحرزه تراثنا في حقبة ما قبل الإسلام من إنجازات، ويرفض ما أسهم به العرب في تلك الحقبة في إثراء المعرفة والتجربة الإنسانية في مجالات الفكر والفلسفة والآداب والعلوم الطبيعية والفلكية والرياضية والطبية وغيرها.

■ ينطلق العقل السلفي من مقولة “الأحادية الدينية” في المجتمع، وهي ظاهرة ندر أن وُجدت في تاريخ الشعوب والمجتمعات. فما يسعى إليه أصحاب هذا الفكر التكفيري، هو تكريس ديانة واحدة ينتمي إليها كافة المواطنين، وينفون في الآن ذاته الديانات والمذاهب الأخرى التي وُلدت وترعرت في بلادنا، سواء قبل مجيء الإسلام أو بعده، وتعايشت فيما بينها بوئام لقرون طويلة.

■ لذا، يجوز القول بإن هذا العقل هو الرحم الذي وُلد فيه التحريض المذهبي والطائفي ضد الآخر: المسيحي والشيعي والصوفي واليزيدي وغيرهم من المذاهب والطوائف التي تعايشت في بلادنا قروناً طويلةً. وهذا التحريض المذهبي والطائفي والضخ المستمر به هو ما يؤدي الى التحارب والاقتتال الداخلي في بلادنا. وعليه، فإن المعرفة بالتراث تحصن الشعب ضد الفتنة الدينية والطائفية، وتعمل على فهم جذور الفتنة وبالتالي محاربتها ووأدها.

■ ومن هنا أيضاً نفهم كيف تنظر العقلية السلفية نظرة سلبية ومعادية إلى تراثنا وحضارتنا في حقبة ما قبل الإسلام وما قبل المسيحية، تلك الحضارات التي نشأت وازدهرت في مصر واليمن والعراق والشام.

■ لذلك يجوز لنا أن نخلص إلى القول بأن الخطاب الديني عامة والسلفي والتكفيري، السائد في هذه المرحلة من تاريخنا، يعادي التراث الشعبي ويحتقره بل ويحرض ضده، ويعمل على تكريس الصدام بين الديانتين الرئيستين في بلادنا، الإسلام والمسيحية.[2]

■ لقد تعلمنا من تجارب الماضي، الفردية منها والاجتماعية، أن المزايدين بالدين والتظاهر بالتعبد، وأولئك الذين يدّعون التدين ويتلفحون بالدين هم أبعد الناس عنه، وهم المزايدون باسمه. فالعقلية السلفية تدّعي الحفاظ على التراث والتمسك به، ولكنها في حقيقة الأمر الأكثر جهلاً به، وتنكراً له وتلاعباً بجوهره وإنجازاته. ولعلنا نجد في هذا تفسيراً  لإحدى المفارقات الصارخة في حياتنا العربية اليوم: وهي أن السلفية – التي تدّعي الاستناد على التراث وتطالب بالعودة إليه – هي في الحقيقة عدوة له وتتآمر عليه على عكس ما تدّعيه، وأن أحد أساليبها الخبيثة أنها تختار منه، بمنهج انتقائي واضح، ما يناسب عقليتها الظلامية. فنرى على سبيل المثال، أنها تُعْلي من قدر الفلاسفة والمفكرين السلفيين، من جهة، ولكنها تحط من مكانة آخرين من كبار الفلاسفة العرب والمسلمين من جهة أخرى (أمثال الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، اخوان الصفا) والتي تشهد الإنسانية بأسرها بعظمة دورهم ومساهماتهم في الفكر والفلسفة والطب والعلوم وغيرها. وإمعاناً في تدمير الوعي الشعبي، فإنها تحرض الناس على مقاومة أفكار هؤلاء الفلاسفة والعلماء، وتقلل من أهميتها استناداً إلى فتاوي حنبلية ووهّابية.

بهذه الوسيلة يضمن العقل السلفي أن نبقى مأسورين بتراثنا كما يلقوننا إياه ووفق تعريفهم وتفسيراتهم، فنبقى ندور حوله، ونعيش في ظل ماضينا، ولكن بقدر ما يسمحوا بايصاله إلى عقولنا ومدارسنا وثقافتنا وإعلامنا من معطيات ووقائع وحيثيات. لذا، فإن الرد على إدعاءات التيارات السلفية والأصولية لا يكون بالقطيعة مع التراث، بل بالتوجه نحو دراسته وفهمه فهماً تاريخياً نقدياً، وتوعية شعوبنا به وبجوانبه المشرقة.

– أليس من باب المفارقة، على سبيل المثال، أن هذا العقل ذاته، في حين يطالبنا بالعودة إلى زمن النبي العربي والصحابة، وتصميم حياتنا ومجتمعنا على صورة ذلك المجتمع، فإنه (العقل) يُفْرطُ في استخدام واستيراد واقتناء التكنولوجيا الحديثة بكافة أصنافها وأجهزتها! (سيّان إن كان ذلك لأنه كسول أو لأنه لا يريد أو لا يرغب في التعلم.)

وأليس من المفارقة أيضاً أنه لا يسعى  إلى امتلاك المهارات العلمية والتكنولوجية اللازمة لإنتاج هذه التكنولوجيا! فغايته المنشودة هي الاستيراد والاستهلاك حتى لو اضطر للاستدانة ‏لشراء أحدث السلع عالية الكلفة التي تقذف بها التكنولوجيا الحديثة إلى أسواقنا.

 

الجزء الأول

 

الجزء الثاني

 

الجزء الرابع

 

الجزء الخامس

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

admin
محرر الموقع

مواضيع متعلقة