نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

في رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني

img
زياد حافظ

زياد حافظ

زياد حافظ*

(ورقة مقدمة للملتقى العربي الافتراضي لرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني بدعوة من المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن، وذلك في 15 أيّار/مايو 2020.)

مقدّمة

من سخرية الدهر أن نرى دولا ومجتمعات عربية تُسرّع في وتيرة تقديم أوراق اعتماد للكيان الصهيوني عبر جعل العلاقة معه أنه أمر طبيعي بينما نرى من جهة أخرى نفس الدول تشجّع على التقاتل العربي سواء بين الدول أو داخل المجتمعات العربية وكأنه أمر “طبيعي”!  فمصطلح “التطبيع” يعني أن نجعل العلاقة مع الكيان الصهيوني (او الاقتتال العربي) أمرا طبيعيا بينما واقع الحال هو العداء.  والعداء ليس عداء ظرفيا مبنيا على خلافات موضوعية بل هو عداء وجودي.  فلا مجال للتعايش ولا للتساكن ولا لمهادنة مع كيان يشكّل وجوده في قلب الأمة أولى الطعنات لإلغاء وجودها.  فعندما يجنح الكيان ومعه الإدارة الحالية في الولايات المتحدة إلى جعل الديانة اليهودية قومية كقاعدة للكيان فهذا يعني الغاء الوجود الفلسطيني ليس معنويا فقط بل تمهيدا إلى إلغاء وجوده جسديا عبر عمليات تهجير مدعومة من الولايات المتحدة وربما مموّلة من قبل بعض الدول العربية.

في مبرّرات التطبيع

قضية فلسطين هي التي تجمع العرب من المحيط إلى الخليج فيصبح ضرب القضية الفلسطينية هدفا وجوديا لعدم تحقيق وحدة العرب التي ترعب فعلا كل من الكيان والغرب وذلك منذ ظهور الإسلام.  فمقاومة التطبيع كمقاومة الكيان وذلك للبقاء ليس إلاّ. والتطبيع عمل سياسي اقتصادي ثقافي اجتماعي في خدمة هدف سياسي أكبر.  والهدف السياسي الكبير هو انهاء القضية الفلسطينية.  لذلك لا بد من بذل جهد لتحقيق ذلك عبر تقديم حجج متعدّدة.

من ضمن الحجج المقدّمة لتحقيق ذلك الغرض هو أن القضية الفلسطينية عائق في نهضة الدول العربية وتستنزف قدراتها وتمنعها من الحصول عن الدعم المالي الدولي والتكنولوجيا لنهضة تلك الدول.  كما أن الصلح مع الكيان الصهيوني، الذي هو الهدف الأخير لإنهاء القضية الفلسطينية، هو ما سيحقّق الاستقرار والتنمية في الدول العربية.  فلا تنمية ولا استقرار في كل من مصر والأردن وما هو في عهدة السلطة الفلسطينية.  فالصلح مع الكيان لم يأت ولن يأت بأي استقرار وتنمية.

المبرّر الحقيقي للمطبّعين هو الاعتقاد الخاطئ أنه سيؤمّن لهم الحماية الأميركية والصهيونية من شعوبهم المنتفضة ضدّهم بسبب سياسات القمع والفساد والتبعية.  القراءة الخاطئة للنخب الحاكمة في تلك الدول التي تشجّع على ترويج التطبيع (والتي ما زالت لا تجرؤ على المجاهرة بالتطبيع) تجعلهم إساءة تقدير التحوّلات الحاصلة دوليا وإقليميا.  يعتقدون أن بحفنة من المال سيكسبون ود الصهيوني والأميركي.  غير أنهم يجهلون أو يتجاهلون يقين نظرة الأميركيين والصهاينة لهم وأنه من المستبعد جدّا أن يقدّموا لهم الحماية.  فسياسة المكابرة وإنكار الحال ما زالت تتحكم عند تلك النخب الحاكمة التي لا تستطيع استيعاب التحوّلات في موازين القوّة في المنطقة التي لم تعد لصالح الكيان والولايات المتحدة.

في أشكال التطبيع

أما أشكال التطبيع فهي متعدّدة.  فمنها ما يأخذ شكل الزيارات المتبادلة غير الرسمية أي بين أفراد وهيئات عربية وصهيونية، أو رسمية عبر زيارات رسمية لمسؤولين من الكيان إلى عدد من الدول العربية أضافة إلى التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي يصل إلى عمليات مشتركة في اغتيال قيادات المقاومة، أو عبر لقاءات ثقافية ورياضية واقتصادية في الدول العربية تستضيف من خلالها وفودا صهيونية.  والأخطر هو التطبيع الثقافي خاصة في مجال الفن والأدب حيث المسلسلات العربية التي تبرّر التطبيع والمشاريع المشتركة تساهم في خلق واقع جديد يصعب تجاهله وتداعياته خاصة في الوعي الجماعي للأمة بين الشباب الذين يمكن التأثير بهم.  والوجه الأكثر استفزازا هو الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأفكار تتخلّى عن القضية المركزية للأمة وهي القضية الفلسطينية وجعلها قضية هامشية لا علاقة للعرب بها ألاّ للفلسطينيين، وحتى في ذلك الحال يتم تحقير الفلسطينيين!  لن ندخل في سجال مع تلك السخافات بل نكتفي بالإشارة إلى وجودها.  كما أن الردّ عليها يعطيها شرعية غير موجودة في الأساس.

والتطبيع يتناول أيضا المعتقدات وخاصة القرآن الكريم حيث يتمّ تحريف الآيات الكريمة لتبرير وجود الكيان.  فالدين مصدر الشرعية لأنظمة حكم عربية وبالتالي استعمال الدين لتبرير سياسات غير مقبولة يصبح أمرا مشروعا وإن كان مبنيا على تحريف الآيات والخروج المتعمّد عن سياقها القرآني.

أفق التطبيع

يجب هنا الإشارة أن رغم معاهدات سلام مع الكيان الصهيوني لبضع دول عربية لم يستطع الكيان خرق الجدار في الوغي العربي للوصول إلى التطبيع مع المجتمعات العربية خاصة في مصر والأردن وطبعا فلسطين وذلك بعد أكثر من أربعين سنة من عمر المعاهدة بين مصر والكيان وأكثر من 25 سنة بين السلطة الفلسطينية والأردن من جهة أخرى.  فالعداء للكيان سمة النظرة العربية للكيان كما أننا نؤكّد أن العقيدة القتالية للجيش المصري ما زالت تجعل الكيان الصهيوني عدوا لمصر. غير أن بعض الدول الخليجية عادت إلى إحياء تلك المشاريع التطبيعية التي تصطدم بجدار الوعي العربي فمن هنا الحملات في محاولة لاختراق ذلك الوعي.

  السياق السياسي للتطبيع

هذه المحاولات تجري في سياق تغيير جذري في موازين القوّة على الصعيد الدولي والإقليمي حيث الكفة لم تعد مائلة لصالح المحور الذي تقوده الولايات المتحدة بل لصالح القوى الرافضة للهيمنة الأميركية.  لم تستطع القوى الاستعمارية، التي كانت في ذروة قوّتها ففرضت الوجود الصهيوني في قلب الأمة، أن تجعل العلاقات بين الكيان والمجتمعات العربية علاقات طبيعية وإذ نرى في حقبة تراجعها دولا عربية تقدّم أوراق اعتماد بالولاء لها عبر تحويل وجهة الصراع مع الكيان الصهيوني إلى صراع مع ألجمهورية الإسلامية في إيران وقوى محور المقاومة من دول وقوى شعبية أثبتت فعّاليتها على الأرض في مواجهة الكيان.

فهذه الدول المطّبعة صاحبة الشرعية المهتزّة داخليا وعربيا تعتقد أن الحماية لوجودها من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تفرض عليها التسريع في التطبيع معه.  والكيان الصهيوني بحاجة إلى ذلك التطبيع لفك العزلة الدولية عنه كما أنه بحاجة لإبراز “انجاز” ما على صعيد العلاقات مع الدول العربية.  كما أن الأفق المسدود داخليا في الكيان الصهيوني جعلت الهجرة من الكيان إلى الخارج تتسارع.  فلا أمل بمستقبل مشرق للكيان عند المهاجرين من الكيان.  فالتطبيع أصبح “حاجة” صهيونية لتبرير “نجاح” الكيان وبقائه.  التطبيع يعكس حالة ضعف بنيوي عند المطبّع كما عند الكيان وهذه حقيقة يجب التركيز عليها.

مقاومة التطبيع

مقاومة التطبيع مزمنة ولكن ما يجعلها اليوم أكثر الحاحا هي استغلال شهر رمضان لنشر عبر مسلسلات عربية مسألة وجود الكيان الصهيوني كأمر طبيعي وجعل مقاومته إخلالا بالأمن وحتى إرهابا يجب دحره.  وتتزامن هذه المسلسلات مواقع الكترونية تعتبر القضية الفلسطينية ليست قضية عربية بل هامشية في وعي المجتمعات العربية وذلك بتشجيع من تلك الدول التي استبدلت العداء للجمهورية الإسلامية في إيران ومعها محور المقاومة بالعداء للكيان الصهيوني.  فعندهم أصبحت المقاومة إرهابا يجب عزلها ثم القضاء عليها.  وهذا هو الهدف المباشر للتطبيع.

مقاومة التطبيع موجودة في معظم الأقطار العربية وتقودها منظّمات وهيئات شعبية استطاعت تنظيم مظاهرات مليونيه في مواجهة محاولات التطبيع خاصة في دول المغرب.  كما أن حملات قانونية لتجريم التطبيع تجرى على قدم وساق في عدد من الدول العربية.

مقترحات

لذلك نقترح أن يصدر عن الملتقى ما يلي:

أولا-التأكيد أن مقاومة التطبيع واجب أخلاقي أولا ووطني ثانيا وقومي ثالثا.

ثانيا-التأكيد على الاستمرار في نشاط مناهضة محاولات التطبيع والتعميق في التنسيق على الصعيد الشعبي وعلى الصعيد القانوني وعبر المنتديات والنقابات والهيئات المختصة في مناهضة الكيان.  في هذا السياق لا بد من ابداء التحيّة والتقدير للمناضلين المناهضين للتطبيع الذين يواجهون قمع حكوماتهم ولم يبدّلوا في مواقفهم.

ثالثا-التأكيد على ضرورة تفكيك الخطاب التطبيعي في مرتكزاته ومفاصله خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي على قاعدة ما عرضناه أعلاه من حجج واهية وتشويه للحقائق.

رابعا-التشديد على استمرار المجتمع الثقافي والأدبي العربي في إنتاج منظومة فكرية وأدبية وفنّية ترفض التطبيع.

خامسا-مقاطعة البضائع الصهيونية التي تتسرّب بوسائل شتّى إلى الأسواق العربية والتشهير بمن يروّج لها.

سادسا-دعم جهود منظمة “بي، دي، أس” التي تدعو إلى مقاطعة البضائع الصهيونية وتفكيك الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية الصهيونية.  فهذه المنظمة حقّقت نجاحات في عدد من الدول الأوروبية وحتى في الولايات المتحدة في الجامعات ومجمع الكنائس ما أثار غضب ورعب اللوبي الصهيوني الذي يضغط بكل قواه على تجريم تلك المنظمة وتجريم كل من يلتزم بتوصياتها.

 

* كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

admin
محرر الموقع

مواضيع متعلقة