نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

تهويد المسجد الإبراهيمي في الخليل

img
د. غازي حسين

د. غازي حسين

د.غازي حسين

 

صادرت حكومة نتنياهو وغانتس الجديدة أراض في الحرم الإبراهيمي تابعة للوقف الإسلامي في عشية شهر رمضان الفضيل للاستمرار في تهويد الخليل.
وكنت قد نشرتُ صفحة كاملة في جريدة البعث الدمشقية عام 1968 حذرت فيها من أطماع اليهود في مدينة الخليل العربية لتهويدها. و من المؤلم جدا تحقيق معظم أطماعهم في تهويد المسجد الإبراهيمي و حتى قلب المدينة القديمة ومداخلها في مستعمرة كريات أربع و إحاطتها بالمستعمرات اليهودية .وشجع اتفاق أوسلو و بروتوكول الخليل الذي وقعه عرفات مع نتنياهو على التغول في تهويدها و في ظل تخاذل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الدفاع عن عروبتها و تمسكها باتفاق الإذعان في أوسلو فكيف جرى تهويد المسجد الإبراهيمي؟.

دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي مدينة الخليل في التاسع من حزيران . 1967 على إثر قيام الكيان الصهيوني بحرب وبدأت منذ اللحظات الأولى لاحتلال المدينة العربية في الاعتداء على قدسية المسجد الإبراهيمي في المدينة. ودخله جنود الاحتلال عنوة برفقة الحاخام الأكبر ووضعوا العلم الإسرائيلي عليه ومنعوا أصحابه المسلمين من الدخول إلى المسجد فترة من الزمن ثم بدأت سلطات الاحتلال بالاعتداء عليه وانتهاك قدسيته وتغيير معالمه مقدمة لإقامة كنيس يهودي في داخله.
منذ اليوم الأول للاحتلال الإسرائيلي البغيض بدأ الجنود والمستوطنون الإسرائيليون بدخوله غير مكترثين لحرمته وطهارته. وكانوا يدخلونه بأحذيتهم ويدوسون فوق السجاد الذي يصلي عليه المسلمون. وكان جنود الاحتلال يقفون على مدخله ويمنعون المسلمين من الدخول لأداء الصلاة. وأدخلت سلطات الاحتلال في منتصف كانون الأول العام 1967 إلى الحضرة الإبراهيمية في المسجد خزانة خشبية وفيها نسخة من التوراة.
وعلى أثر ذلك قدم مدير الأوقاف في المدينة بتاريخ 18/12/1967 احتجاجاً إلى الحاكم العسكري في الخليل. ووعد وزير حرب العدو برفع هذه الخزانة إلاّ أنه لم يفعل، بل سمح الحاكم العسكري بدخول اليهود إلى المسجد الإبراهيمي منتهكين مشاعر المسلمين، حيث كانوا يشوشون على المسلمين أثناء أداء الصلاة وينشدون شعائرهم الدينية داخل المسجد الإسلامي.
وكرر مدير الأوقاف الاحتجاج بتاريخ 13/1/1968، إلاّ أن الحاكم العسكري استمر في دعم المتطرفين اليهود في اعتداءاتهم على المسجد الإبراهيمي الشريف وإقامة شعائرهم الدينية فيه.
احتج رئيس بلدية الخليل والقاضي الشرعي والمفتي ومدير الأوقاف وعدد كبير من وجهاء المدينة لرئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الحرب والحاكم العسكري العام والحاكم العسكري في الخليل في 2/10/1968. وأجابتهم سلطات الاحتلال قائلة أنها لا تعتبر دخول بضع عشرات من اليهود إلى المسجد وإقامة شعائرهم الدينية بمناسبة رأس السنة اليهودية اعتداء على المقدسات الإسلامية.
وتابعت سلطات الاحتلال مخططها في تهويد المسجد الإبراهيمي على أرض الواقع فنسفت بتاريخ 11/10/1968 الدرج المؤدي إلى الحرم الإبراهيمي مع البوابة الرئيسية من الناحية الشرقية للحرم، وهو المعروف بباب الناصر قلاوون، وهو باب ذو طابع أثري أقيم قبل أكثر من (700) سنة، وعليه يدان أثريتان سرق إحداهما أحد الضباط اليهود خلال عملية النسف. وهدمت سلطات الاحتلال في نفس اليوم البئر الأثرية التي حفرت في عهد صلاح الدين الأيوبي و يستعملها المسلمون للوضوء.
وتمادت سلطات الاحتلال بانتهاكاتها فمنع الضابط المسؤول عن الحراسة بتاريخ 21/10/1968 مؤذن المسجد الإبراهيمي من أداء آذان العصر. وأرغم جنود الاحتلال حارس المسجد الليلي بتاريخ 23/5/1969 بعد صلاة العشاء على فتح الباب وأدخلوا طاولات وكراسي وأدوات عبادة داخل الحرم.
وقام الحاخام العنصري ليفنجر بتاريخ 28/6/1969 بمنع بعض السيدات المسلمات من دخول الحضرة الإبراهيمية بذريعة أنه يصلي، مما دفع برئيس البلدية ومدير الأوقاف إلى الاحتجاج على هذا الاعتداء إلى وزير الحرب الإسرائيلي.
بدا المتطرفون اليهود يقيمون صلواتهم في الحرم الإبراهيمي الشريف في النهار والليل وبحماية قوات الاحتلال. وكانوا يشوشون باستمرار على المصلين المسلمين ويمطرونهم بوابل من الشتائم والإهانات لهم ولدينهم الإسلامي. وقام المستوطنون بتاريخ 17/1/1970 بالدخول إلى الحرم ومعهم كلابهم، مما أثار مشاعر المصلين وأغضب سكان المدينة.
وأدخلوا في نيسان 1970 المزيد من الكراسي ووضعوها في الحضرة الإبراهيمية. وكرروا التصرف نفسه في 9 حزيران 1970 حيث دخلوا إلى الحرم ومعهم كلابهم وأدخلوا طاولة خشبية وبعض الكراسي الإضافية.
وتمادت قوات الاحتلال في غيها وبغيها أكثر فأكثر ومنعت المسلمين من إدخال الجنائز إلى الحضرة الإبراهيمية. واستدعى الحاكم العسكري في 13/1/1972 رئيس السدنة في الحرم وأبلغه قرار منع الجنائز من الدخول.
ووصل تدخل الحاكم العسكري الإسرائيلي في شؤون إدارة المسجد الإبراهيمي حداً طالب فيه في 17/2/1972 من رئيس السدنة إغلاق الباب الشرقي للحرم أثناء زيارة اليهود للحرم وأخبره بأنه إذا لم ينفذ ذلك فإنه سيغلقه بالقوة.
وزاد المستوطنون من استفزازاتهم وانتهاكاتهم للشعائر الإسلامية فقاموا بتاريخ 20/7/1972 بسرقة بعض الحصر الموجودة في الحرم للصلاة وداسوا عليها بأحذيتهم. وأخذوا يدخلون المسجد الإبراهيمي وهم يحملون المسدسات والرشاشات. وقد أخبر رئيس السدنة الحاكم العسكري والذي نزل إلى الحرم وشاهدهم ولم يتخذ أي إجراء بحقهم.
ودخل المستوطنون بتاريخ 10/9/1972 إلى الحرم الشريف وبحضور الحاكم العسكري العام في الضفة الغربية وأقاموا طقوسهم الدينية ونفخوا في البوق واشتد صياحهم حتى أن المسلمين لم يتمكنوا من أداء صلاة الظهر. وحاولوا منع المؤذن من أداء الآذان، ولما لم يستجب بدؤوا في نفخ البوق حتى لا يسمع الآذان.
ومنع جنود الاحتلال بتاريخ 30/9/1972 جنازتين من الدخول إلى المسجد، مما دفع بمدير الأوقاف إلى الاحتجاج إلى وزير الحرب الإسرائيلي على هذا الإجراء.
قررت حكومة الاحتلال الإسرائيلي تهويد الحرم الإبراهيمي الشريف رسمياً بتاريخ 31/10/1972 فاستدعى الحاكم العسكري في الخليل مدير الأوقاف ورئيس السدنة وأبلغهما أن الحكومة قررت:
1)ضم اليعقوبية لتكون مكاناً لصلاة اليهود بالإضافة إلى الإبراهيمية.
2)ضم سقف الساحة الواقعة بين الحضرة الإبراهيمية واليعقوبية (الصحن).
3)وضع أثاث ثابت في هذه الأماكن وأثاث غير ثابت.
4)منع الزائرين (العرب) من دخول هذه الأماكن أثناء تواجد اليهود فيها.
5)وضع حواجز تفصل بين الطوائف اليهودية أثناء الصلاة.
6)استعمال الحرم الإبراهيمي جميعه في الأعياد الرسمية اليهودية.
7)سيدخلون الحرم أيام الجمع من الساعة الرابعة وحتى الخامسة مساء استعداداً للسبت.
وأدخلت سلطات الاحتلال بتاريخ 10/11/1972 خزانة فيها التوراة مع خزانة كبيرة وأدوات عبادة وكمية من الكراسي إلى ركن اليعقوبية. كما وضعت لوحات بالعبرية والإنكليزية تشير إلى الدخول والخروج وتظهر أنها تمارس الإدارة والترتيب والنظام في الحرم الإبراهيمي.
واستدعى الحاكم العسكري بتاريخ 20/9/1972 القاضي الشرعي ومدير الأوقاف ورئيس السدنة وأبلغهم تعليمات جديدة بخصوص أماكن و تواجد اليهود ومواعيد دخولهم بمناسبة الأعياد كان من شأنها الاستيلاء على معظم أجزاء الحرم الإبراهيمي، ونفذتها سلطات الاحتلال بالقوة رغم الاعتراض عليها.
وأدخل الحاكم العسكري بتاريخ 26/9/1973 العديد من الكراسي وحواجز الألمنيوم ووضعوها في الصحن وأغلق باب الحضرة الإبراهيمية واقتطع من الصحن ممراً يؤدي إلى غرفة رئيس السدنة.
ودخل بتاريخ 5/9/1974 عدد كبير من اليهود إلى الحرم الإبراهيمي تحت إشراف الحاكم العسكري في الخليل وبحضوره. وأجروا طقوس زواج داخل الحضرة الإبراهيمية وشربوا الخمر وكسروا زجاجة خمر و سكبوها على أرض المسجد لإهانة وتحقير واستفزاز المسلمين وقام المستوطنون اليهود بتاريخ 18/3/1975. بختان أحد الأطفال اليهود في المسجد وكسروا زجاجة خمر و سكبوها على أرض الحضرة الإبراهيمية ودنسوا أرض المسجد بالخمر.
وبتاريخ 10/5/1975 دخلوا بأعداد كبيرة يتقدمهم مساعد الحاكم العسكري وضابط المخابرات وأقاموا حلقات الرقص المصحوبة بالصياح والتشويش ومنعوا المسلمين من الدخول ومنعوا من كان منهم بداخله من الخروج. واعتدوا على رئيس السدنة.
وبتاريخ 7/6/1975 دخل المستوطنون إلى الحرم، حيث كان الواعظ يلقي درس الوعظ. وبدؤوا يسخرون منه ويرددون أقواله بالضحك والاستهزاء، ثم سخروا من المصلين وشاغبوا عليهم أثناء تأديتهم للصلاة ورددوا أقوال الإمام باستهزاء.
هذه بعض الاعتداءات اليهودية على المسجد الإبراهيمي في الخليل ومساعي سلطات الاحتلال تهويده إلى أن نجح نتن ياهو بتوقيع بروتوكول الخليل عام 1994 مع عرفات رئيس السلطة الفلسطينية والذي يتضمن الموافقة على تهويد 20% من مدينة الخليل العربية مما الحق أخطر وأفدح الأضرار بالطابع العربي الإسلامي للمدينة العربية ومقدمة للقضاء عاى هويتها الحضارية العربية الإسلامية وتهويدها تحقيقا للاكاذيب والأطماع الاستعمارية التلمودية والتوراتية والصهيونية والإسرائيلية. لذلك يستحيل التعايش مع “اسرائيل” والقبول والاعتراف بها والتطبيع معها خيانة وطنية وقومية ودينية. **

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب د. غازي حسين

d-gazi
د. غازي حسين
عضو جمعية البحوث والدراسات-اتحاد الكتاب العرب بدمشق عضو الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين –عضو رابطة الكتاب الاردنيين ولد بتاريخ 10/9/1938 في بلدة سلمة (قضاء يافا) التي احتلتها العصابات اليهودية المسلحة بعد مجزرة دير ياسين في أواخر شهر نيسان عام 1948. أنهى الدراسة الابتدائية والثانوية في كلية النجاح الوطنية بنابلس. انتخب عام 1954 كرئيس لمؤتمر الطلبة الأردني بلواء نابلس. اعتقل عدة مرات في الأردن ونفي إلى معتقل الجفر بسبب نشاطاته السياسية. بدأ دراسة الحقوق في الجامعة السورية بدمشق وأكملها في ألمانيا ونال هناك الماجستير في الحقوق عام 1962، ودكتوراه في القانون الدولي عام 1966، ودكتوراه في العلوم الحقوقية عام 1974. مارس تدريس القانون الدولي في جامعات ألمانيا ودمشق (المعهد العالي للعلوم السياسية). عمل كمستشار في القصر الجمهوري بدمشق وكسفير لمنظمة التحرير الفلسطينية لدى الحكومة النمساوية في فيينا، وكممثل للمنظمة لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووكالة التنمية الصناعية (يونيدو) في فيينا. وشارك في أهم المؤتمرات الدولية التي عالجت قضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، و كمستشار قانوني ورئيس إدارة في الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية بدمشق، وعضو سابق في المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب، وعضو سابق في القيادة العامة لطلائع حرب التحرير الشعبية- قوات الصاعقة ورئيس الدائرة السياسية وأمين سر اللجنة العربية لمكافحة الصهيونية والعنصرية، وعضو الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية، وعضو الأمانة العامة في التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة وعضو هيئة تحرير مجلة الفكر السياسي في اتحاد الكتاب العرب. مؤلفاته: 1-اسرائيل الكبرى والهجرة اليهودية- دراسة.1992. 2-الفكر السياسي الفلسطيني-1963- 1988- مطبعة رانيا عام 1993. 3-الصهيونية ايديولوجية عنصرية كالنازية (بالعربية عام 1968) و(الألمانية عام 1971). 4-الغزو الاسرائيلي للبنان- (مجموعة من الباحثين) دمشق 1983. 5- انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان العربي عام 1969. 6- الهجرة اليهودية وأثرها على طاقات إسرائيل الاقتصادية والعسكرية عام 1974 بالعربية وعام 1975 بالإنكليزية. 7- فلسطين والأمم المتحدة عام 1975. 8- عدالة وسلام من أجل القدس، باللغة الألمانية في فيينا، عام 1979. 9- النظام الإقليمي والسوق الشرق أوسطية عام 1994. 10- الصراع العربي - الإسرائيلي والشرعية الدولية عام 1995. 11- الشرق أوسطية إسرائيل العظمى، دمشق 1995. 12- الصهيونية زرع واقتلاع (اتحاد الكتاب العرب - دمشق) 1966. 13- ياسر عرفات من التوريط إلى التفريط - دمشق 1996. 14- القمم والمؤتمرات الاقتصادية والأمنية: من التطبيع إلى الهيمنة - اتحاد الكتاب العرب - دمشق عام نبذة مأخوذة من موقع اتحاد الكتاب العرب بدمشق عن الدكتور غازي حسين

مواضيع متعلقة