نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

كيف جعلت جائحة كورونا مليارديرات العالم أكثر ثراءً؟

img
في الوقت الذي تُظهر فيه إحصائيات وزارة العمل الأمريكية، أن واحدًا من كل ستة عمال أمريكيين قد فقدوا وظائفهم منذ منتصف مارس (آذار) الماضي؛ الأمر الذي يُعد أكبر سلسلة خسائر في الوظائف الأمريكية مسجلة حتى الآن. وفي الوقت الذي يجد فيه العديد من البشر في جميع أنحاء العالم أنفسهم بلا عمل، من جراء تداعيات فيروس كورونا المستجد؛ يشهد على الجانب الآخر بعض مليارديرات العالم ازدهارًا ملحوظًا في ثروتهم، منذ بداية الوباء العالمي.
فقد أفاد تقرير جديد أن 34 من أصحاب المليارات الأكثر ثراءً في أمريكا، قد شهدوا زيادة تُقدر بالملايين في صافي ثرواتهم خلال العام الجاري. وحقق ثمانية من بين مليارديرات العالم، مكاسب تجاوزت المليار دولار منذ الأول من يناير (كانون الثاني) 2020، في ظل جائحة كوفيد-19 التي يشهدها العالم. ويملك العديد منهم شركات تُشارك في الجهود المتعلقة بمكافحة الوباء، أو شركات ازدادت شعبيتها في أثناء الحجر الصحي.
أسماء بارزة من بينها، جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون»، وإيلون ماسك مؤسس شركة «سبيس إكس»، وإريك يوان مؤسس شركة «زووم»، وغيرهم من أعضاء نادي المليارديرات، الذين زاد إجمالي ثروتهم بنسبة تصل إلى 10% تقريبًا، أي ما يعادل 282 مليار دولار أكثر مما كانت عليه في بداية شهر مارس الماضي. ويبلغ الآن صافي الثروة مجتمعة 3.229 تريليون دولار.
فكيف انقلبت الجائحة من «نقمة» إلى «نعمة» بالنسبة لهؤلاء المحظوظين؟ وكيف تضخمت ثرواتهم رغم تراجع الأسواق؟
«قصة جائحتين».. مليارديرات العالم والطبقة الكادحة
«لسنا جميعًا في القارب ذاته، طالما أن المليارديرات يتجولون في يُخُوتهم، بينما تعافر الأغلبية من أجل إبقاء رؤوسهم فوق الماء».
على غرار الرواية الشهيرة للكاتب الإنجليزى تشارلز ديكنز، «قصة مدينتين»، يرى تشاك كولينز، مدير برنامج عدم المساواة والصالح العام في معهد دراسات السياسات، والمؤلف المشارك في إعداد التقرير الجديد الصادر عن المعهد بعنوان «الملياردير بونانزا 2020: مكاسب الثروة، ضرائب متداعية، واستغلال الوباء»، أن العالم الآن يشهد «قصة جائحتين»، تعافر في إحداهما الطبقات الكادحة من أجل البقاء، ويضحون بصورة غير متكافئة بالمرة، مقارنة بطبقة الأثرياء الذين لا يبدو أنهم يشاركونهم المعاناة، بل على العكس يزدادون ثراءً.
ويقول كولينز: «في الوقت الذي تزداد فيه ثروة البعض بمليارات الدولارات، يوجد هناك آخرون يُعانون. لسنا جميعًا في القارب ذاته، طالما أن مليارديرات العالم يتجولون في يُخُوتهم، بينما تعافر معظم الشعوب من أجل إبقاء رؤوسهم فوق الماء».  وقد وجد في التقرير الذي شارك في إعداده، ودرس كلًّا من تأثير جائحة كوفيد-19، والاتجاهات طويلة المدى على تراكم ثروة طبقة المليارديرات الأمريكيين؛ أنه بين عامي 1990 و2020، شهدت ثروة المليارديرات الأمريكيين نموًّا بأكثر من 200 مرة عن نمو متوسط الثروات الأمريكية البالغ 5.37% خلال الفترة نفسها.
وفي الوقت الذي ركزت فيه كثير من وسائل الإعلام اهتمامها على آثار الجائحة الاقتصادية، وما أدت إليه من انخفاض بعض الأسهم، وتعطيل الأعمال، وخسارة بعض المليارديرات قدرًا من ثروتهم؛ وجد تقرير المعهد أن العديد من المليارديرات في عزلة محصنة عن هذه الخسائر. ليس هذا وحسب، بل إن إجمالي ثروة المليارديرات الأمريكيين منذ بداية العام الجاري حتى الآن، تجاوز مستوياته السابقة في العام الماضي.
وفي الفترة ما بين الأول من يناير (كانون الثاني) إلى 10 أبريل (نيسان) من العام الجاري، شهد 34 فردًا من أغنى مليارديرات العالم في أمريكا، البالغ عددهم 170 ملياردير، زيادة في ثروتهم تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. وحظي ثمانية من بين هؤلاء المليارديرات، بزيادة في صافي ثروتهم بأكثر من مليار دولار لكل منهم. فمن هم هؤلاء الثمانية الأكثر حظًّا؟
طفرة غير مسبوقة في ثروة أغنى رجل في العالم
للعام الثالث على التوالي، يتصدر جيف بيزوس – الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «أمازون» – البالغ من العمر 56 عامًا، قائمة مليارديرات العالم، وفقًا لمجلة «فوربس». ويحتفظ بلقب أغنى رجل في العالم، في خضم جائحة كوفيد-19 التي تعصف بالعالم، وحتى بعد مَنحه ما يعادل قيمته 36 مليار دولار من أصول «أمازون» لزوجته السابقة ماكنزي بيزوس، جزءًا من تسوية الطلاق التي أجريت بينهما الصيف الماضي.
ومنذ بداية يناير للعام الجاري، زادت ثروة جيف بيزوس 25 مليار دولار، إلى جانب 12 مليار دولار آخرين منذ 21 فبراير (شباط)، ليبلغ بذلك صافي ثروته 145.1 مليار دولار. الأمر الذي يجعل من مؤسس عملاقة التجارة الإلكترونية، الشخص الوحيد ضمن قائمة أغنى خمسة أشخاص في العالم، الذي لم يخسر أموالًا عام 2020، وفقًا لمؤشر «بلومبرج» للمليارديرات .
ويرجع الفضل في ذلك إلى سطوع نجم «أمازون» وسط الأجواء الاحترازية، وإجراءات التباعد الاجتماعي، التي تُفعَّل في كثير من البلدان. وقد أضافت عملاق التجارة الإلكترونية 100 ألف موظف جديد إلى إمبراطوريتها الشهر الماضي، يعملون بدوام كامل وجزئي؛ للمساعدة في تلبية الطلب المتزايد من المستهلكين المقيمين في المنزل، ويتسوقون عبر الإنترنت؛ ما أدى إلى ارتفاع أسهم الشركة بنسبة 15%، عما كانت عليه العام الماضي. علاوة على ذلك، تخطط الشركة لإضافة 75 ألف وظيفة أخرى؛ للمساعدة في تلبية طلبات العملاء، ومساعدة الموظفين الحاليين على تلبية طلبات المنتجات الأساسية.
ومع أن الانهيار الأولي لسوق الأوراق المالية، ربما يكون قد أثر في صافي بعض الأصول في البداية، ما أدى إلى انخفاض ثروته إلى 105 مليار دولار فقط في 12 مارس الماضي، فإن ثروته عاودت الانتعاش ابتداء من 15 أبريل الجاري. الأمر الذي يعد طفرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المالي الحديث؛ إذ تجاوزت أرباحه تلك الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول مثل هندوراس، التي كان الناتج المحلي الإجمالي لها 23.9 مليار دولار في عام 2018.
5 مليار دولار تُضاف إلى خزانة إيلون ماسك
أتت العواقب حميدة أيضًا بالنسبة لإيلون ماسك، المدير التنفيذي لشركة «تسلا»، ومؤسس شركة «سبيس إكس»، وأحد أعضاء نادي مليارديرات العالم الأمريكيين، والذي بلغت مكاسب ثروته خلال العام الجاري 5 مليارات دولار. ووفقًا للتقرير، فقد انخفض صافي قيمة ثروة ماسك البالغة 37.8 مليار دولار، بمقدار 3.1 مليار دولار في منتصف مارس، لكنه نما منذ ذلك الحين بعد أن ساعد في معالجة النقص في المعدات الطبية الحرجة.
وذلك بعد أن دخلت شركة «سبيس إكس» في شراكة مع شركة «ميدترونيك» للأجهزة الطبية؛ من أجل المساعدة في زيادة قدرة الشركة على إنتاج أجهزة التنفس الصناعي. وفي الوقت نفسه، يعمل المهندسون في شركة «تيسلا» على ابتكار نماذج أولية لأجهزة التنفس، من قطع غيار السيارات المستعملة.
«سكايب» و«تيمز» يجلبان لبالمر 2.2 مليار دولار
شهد تطبيقا التواصل عبر الفيديو، «سكايب» و«مايكروسوفت تيمز»، التابعين لشركة «مايكروسوفت»، زيادةً في النشاط اليومي خلال شهر مارس. وبما أن ستيف بالمر، الملياردير الأمريكي، والرئيس التنفيذي السابق لـ«مايكروسوفت»، ما يزال مساهمًا مهمًّا في الشركة، فقد ارتفعت ثروته بمقدار 2.2 مليار دولار خلال العام الجاري، وفقًا للتقرير.
كذلك، ارتفعت أرباح ماكينزي بيزوس، الزوجة السابقة لمؤسس شركة «أمازون»، بمقدار 3.5 مليار دولار خلال العام 2020. وتعد ماكينزي واحدة من أغنى 25 ملياردير، وواحدة من أغنى خمس نساء في العالم. وذلك بعد أن حصلت على 25% من حصة زوجها السابق في «أمازون»، بعد تسوية الطلاق بينهما.
أيضًا من بين المستفيدين الآخرين خلال 2020، جون ألبرت سوبراتو، الرئيس الفخري لمنظمة «سوبراتو»، الذي حقق مكاسب تقدر بـ2.07 مليار دولار. وجوشوا هاريس، الشريك المؤسس والمدير الإداري الأول لشركة «أبوللو»، الذي بلغت أرباحه 1.72 مليار دولار. إلى جانب روكو كوميسو، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ميدياكوم للاتصالات»، الذي جنى 1.09 مليار دولار إلى الآن.
المليارديرات الصينيون ينالون نصيبهم أيضًا من الكعكة
«مصائب قوم عند قوم فوائد»، قول مأثور ينطبق على أصحاب المليارات مع تفشي جائحة الفيروس التاجي في العالم. بالطبع، لم ينتفع الأمريكيون وحدهم من الجائحة العالمية؛ ففي الصين حيث كانت بؤرة الانتشار الأولى للفيروس المستجد؛ استفاد تسعة مليارديرات صينيين مصنفين ضمن أكثر 100 ملياردير ثراءً في العالم من الأزمة، التي زادت من أرباحهم وثرواتهم خلال الفترة ما بين 31 يناير و31 مارس من العام الجاري.
وقد كان إيريك يوان تشنج، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنصة «زووم» للتواصل عبر الفيديو، الرابح الأكبر بشكل عام خلال الشهرين الماضيين؛ إذ ارتفعت ثروته بنسبة 77%، أو ما يعادل 2.5 مليار دولار، ليبلغ صافي قيمتها 8.7 مليار دولار. وكانت هذه القفزة نتيجة الاعتماد الكبير على تطبيق «زووم»، لإجراء المؤتمرات والاجتماعات والدورات التعليمية عبر الإنترنت خلال الأزمة. وقد تجاوز عدد المستخدمين للتطبيق منذ بداية العام الجاري إلى الآن، عدد من استخدموه خلال العام الماضي بأكمله، وفقًا للتقرير.
ولكن السيد يوان ليس الرابح الوحيد، في موطنه الذي يضم ثاني أكبر عدد من مليارديرات العالم، بعد الولايات المتحدة. فقد ازدادت أيضًا ثروة رؤساء شركة «أوف سي إن» الصينية، ورئيس شركة «ميندراي» المتخصصة في صناعة الأجهزة الطبية، التي ما تزال تشهد طلبًا متزايدًا في جميع أنحاء العالم.
وعلى الجانب الآخر، حققت شركة «مويوان فودز»، عملاقة إنتاج لحم الخنزير الصيني، والتي يديرها تشين ينجلين وزوجته، ثروةً طائلة في الوقت الذي تضررت فيه صناعة لحم الخنزير في الصين بسبب حمى الخنازير الأفريقية. إذ تضاءل معدل الإنتاج؛ ما أدى إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعًا كبيرًا، وتضاعُف أسهم الشركة ثلاث مرات تقريبًا. ليصعد السيد تشين إلى المرتبة 43 في قائمة أغنى الأشخاص في العالم، ويصبح أغنى مربي خنازير في العالم.
معضلة عدم المساواة الأزلية
«إن العمل الخيري ليس بديلًا عن نظام ضريبي عادل، وشبكة أمان عام ممولة كفايةً».
بالنسبة إلى كولينز، فإن هذا المثال الصارخ على عدم المساواة في الربح في أثناء الجائحة، يؤكد مدى عمق عدم المساواة في توزيع الثروات التي لطالما شهدتها الولايات المتحدة كمثال. ويقول: «لقد دخلنا هذه الجائحة ونحن في وضع مستقطب بالفعل، وللأسف لا يبدو أننا نريد الخروج منه إلا ونحن أكثر استقطابًا».
ومن النتائج الرئيسية الأخرى للتقرير، أنه بعد الأزمة المالية لعام 2008، استغرقت طبقة المليارديرات أقل من 30 شهرًا لتعود ثروتها إلى مستويات ما قبل الانهيار، وسرعان ما تجاوزت تلك الثروة مستويات ما قبل عام 2008. لكن على الجانب الآخر، لم تتعاف الطبقة الوسطى في أمريكا حتى الآن إلى مستوى صافي قيمتها لعام 2007.
كذلك، تُشير نتائج التقرير إلى ارتفاع حصة طبقة المليارديرات من ثروة أمريكا المتزايدة طوال العقود الأربعة الماضية. وبين عامي 2006 و2018، ذهب ما يقرب من 7% من الزيادة الحقيقية في إجمالي الثروة الأمريكية إلى أغنى 400 أسرة في البلاد. وذلك في حين يكافح ملايين الأمريكيين من أجل دفع الإيجار، وشراء البقالة، ومحاولة النجاة خلال الأزمة.
وعلاوةً على ذلك، انخفضت الالتزامات الضريبية للمليارديرات الأمريكيين، المُقاسة كنسبة مئوية من ثرواتهم بنسبة 79%، بين عامي 1980 و2018. لذلك؛ عندما ضربت الجائحة سوق الأموال، كان أولئك المتربعون على قمة هرم الثروة في وضع أفضل من أي وقت مضى للاستفادة من الفوضى. ومع أن عددًا منهم قد ساهم بالفعل في جهود مكافحة الفيروس المستجد، فإن كولينز علق على المساعدات الخيرية التي يقدمها الأثرياء خلال الجائحة، قائلًا: «لا ينبغي أن نُشتت بأعمال مليارديرات العالم الخيرية. فقد استخدموا نفوذهم السياسي الكبير على مدى عقود لتقليل التزاماتهم الضريبية، وتحويل النفقات إلينا».
ساسة بوست

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب محرر الموقع

admin
محرر الموقع

مواضيع متعلقة