نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

انكشاف حقائق مخفية لعالم مزيف (4 من 4)

img

سقوط التاج النفطي السعودي عن رأس صلعاء

 

د. عادل سمارة

د. عادل سمارة

د. عادل سمارة

 

لحروب النفط خصوصيتها من حيث هي قصيرة المدى شديدة قاسية الضربات ومباشرة التأثير. لذا  تختلف حروب النفط عن معظم الحروب رغم أنها حرب مصالح بامتياز ، وربما لأنها حرب مصالح في العظم وليست على الهوامش ذلك لأن النفط هو حقاً سلعة عالمية “كما يؤكد الغرب الرأسمالي” . ولكن تأكيده هذا كي يبرر التحكم في أسعار النفط منكراً بأن التكنولوجيا وخاصة الصناعات  المتقدمة تكنولوجيا المعرفة Know-How هي أيضا سلعة عالمية لكن لأنه يحتكرها فهي لن يتم إخضاعها لما يسمى استقرار السوق العالمية وذلك لأن منظمة أوبك في قمة قوتها لم تكن احتكاراً حقيقياً مقارنة بمختلف الاحتكارات الغربية. 

ولذا، بدأت وبقيت أوبك مقودة، وإن لا مباشرة في بعض الأحيان، بالقرار الاقتصادي السياسي للولايات المتحدة وخاصة عبر المصطلح الخبيث لدور السعودية اي “المنتج المرجِّح” بمعنى ضابطة لسوق النفط بحيث لا يتم الإغراق مما يقود لخسائر هائلة للدول المنتجة ولا يتم تخفيض الضخ مما يؤدي إلى خسائر الدول المستوردة. أي نُسب لأوبك، زوراً، سمة بأنها حكومة النفط العالمية. 

و إمعانا في تصوير السعودية كأنها تقود حكومة النفط العالمية ومن أجل تمتين سيطرتها على السياسة العربية وخاصة في حقبة تراجع المد القومي العروبي، جرى نسْبُ قطع النفط المؤقت عن الغرب عام 1973 وكأنه انتصار سعودي لمصر وسوريا في حرب تشرين. هذا كي يتبين بأن تلك اللعبة كان الهدف منها سيطرة أمريكا على سوق النفط العالمية سواء على المنتجين أو المستهلكين بمن فيهم أوروبا واليابان. ولاستكمال اللعبة، فقد اتفقت أمريكا مع السعودية على تسعير النفط بالدولار كي يصبح الغطاء النفطي بديلا للغطاء الذهبي الذي انهاه الرئيس الأمريكي نيسكون عام 1971 إثر حاجة أمريكا لطباعة دولارات أكثر للإنفاق على عدوانها المهزوم في فيتنام. 

نتجت عن طفرة سعر النفط عام 1973 فوائض مالية لدى دول الخليج وخاصة السعودية والتي أُطلق عليها فوائض البترو دولار فلا بد  لأية دولة كي تشتري النفط أن تشتري دولارات لتدفع ثمن النفط الذي تحتاجه. ولأن أمريكا تعلم بأن السعودية ليست ذات توجه تنموي لا بمعنى التصنيع الداخلي ولا بمعنى التصنيع والزراعة على المستوى العربي فقد عرضت على السعودية تحويل الفوائض المالية المتراكمة لديها، وبالطبع لدى مختلف النفطيات الخليجية، إلى مصارف الولايات المتحدة أمريكية الخاصة والحكومية على أن تقوم شركاتها ب “ثورة” عمران وبنى تحتية في الخليج كما ذكر جون بيركنز في كتابه “اعترافات قاتل اقتصادي”. 

ماذا يعني شراء النفط بالدولار؟ 

  • أن أمريكا هي المالك الحقيقي للنفط
  • اشتعال الطلب على الدولار الأمريكي
  • تكويش أمريكا على فلوس العالم التي عليها التدفق لأمريكا كبلد آمن
  • استدانة العديد من دول العالم من أمريكا لتشتري النفط مما خلق مديونية ثمانينات القرن العشرين.
  • ومراكمة فلوس النفط في أمريكا خاصة يعني إعادة فلوس العالم لأمريكا لتقوم بتدويرها ديوناً على البلدان النامية بشكل خاص. اي ان امريكا قامت بعمليتَيْ تكويش:
    • الأولى رصد معظم عوائد النفط لديها 
    • والثانية ربح إقراض وفوائد إقراض للدول المستهلكة للنفط.

وخلال كل هذا السناريو، بل العملية المؤامراتية كان يبدو بان السعودية هي ملكة النفط تحت تسمية المنتج المرجِّح، وهو ما تم توظيفه لضرب الاقتصاد السوفييتي ما بين 1982-1985 الأمر الذي ساهم في انهيار هذا البلد اقتصاديا ومن ثم سياسيا. وهنا لم تكن السعودية سوى أداة بيد امريكا لضرب الاتحاد السوفييتي خاصةً وأن السياسة الغربية عموما كانت منذ 1917 هي تدمير كل من الاتحاد السوفييتي والصين الشعبية. 

كما أشرنا أعلاه، فإن زيادة الطلب على الدولار تسمح لأمريكا بطباعة دولارات أكثر لتلبية الطلب وربط كل مستدين بالسياسة الأمريكية. كما ساعد أمريكا بعد 1973 على ذلك أن اقتصادها كان الأقوى في العالم بفارق واسع بينه وبين أي اقتصاد آخر حيث كانت حصتها تقارب 40 بالمئة من الإنتاج العالمي. أي أن أمريكا كانت الملكة الحقيقية للعالم عبر:

  • أن سوق النفط مرتبط بالدولار
  • حجم انتاجها هائلاً
  • قوتها العسكرية هي الأقوى بامتياز فما لم يُؤتى به بالنفط والتجارة والرشوة والاغتيال يُؤتى به بالاحتلال.

خلال فترة السيطرة التامة هذه ساد شعار أن “الاقتصاد الأمريكي هو اقتصاد الملاذ الأخير” حيث كان الكثير من الدول تعتمد في اقتصاداتها ، وخاصة دول الاقتصاد الموجه للتصدير(دول النمور والتنينات نموذجا) ، على السوق الأمريكية. وبناء على الاستهلاك الاستيرادي الأمريكي العالي كانت لأمريكا فرصة إصدار سندات حكومية لتغطي امريكا عجزها، أي تصدر سندات للناس والدول وتبيع السندات بفائدة. 

وازدادت هذه الظاهرة بعد أن اتسعت في الاقتصاد العالمي ظاهرة الاستثمار الأجنبي المباشر إذ نقلت كثير من الصناعات الأمريكية وغيرها مواقع إنتاجها إلى الصين حيث وفرة هائلة من قوة العمل متدنية الأجور.

وهنا نستذكر مقولة ماركس  بوصف الراسمالية عادة ب “رأسمالية الأجور الأدنى” بمعنى أن أي رأسمالي يبحث عن دفع أقل الأجور مما يحول  الفرد والنظام الرأسماليين إلى حالة معولمة لا وطنية أو قومية فينتقل رأس المال حيث الكلفة الأقل.

وعلى هذا الظاهرة ترتب تراجع الحصة الأمريكية في الإنتاج العالمي دون أن يترافق مع ذلك تراجع حصتها من الاستهلاك أي الاستيراد. وهي السياسة التي انتهت اليوم لما يقارب 23 ترليون من المديونية.

خلال هذه الفترة كانت تجري تطورات لدى خصمَيْ امريكا اي الصين وروسيا أي نهوض الأولى اقتصاديا ونهوض الثانية عسكريا وتنامي دورها الدولي وتماسك وضعها الاقتصادي. قد لا يجوز لنا تسمية هذين النهوضين “في غفلة من الزمن” ولكن ربما يعود الأمر إلى:

  • إما أن التقدير لدى الغرب وخاصة الولايات المتحدة لم يكن دقيقاً.
  • أو لم تكن لدى أمريكا القوة القديمة التي بوسعها احتجاز هذين التطورين بالقوة دون أن يواجهها أحداً.

اتضح ذلك خلال أزمة 2007-2008  حيث لعبت الصين دور المخفف للأزمة الاقتصادية المالية حيث حافظت على معدلات نموها وواصلت تزويد السوق العالمية بالمنتجات. وهذا اثار القلق الأمريكي بشكل خاص، فكان لا بد من الشغل مجدداً لاحتواء هذا النهوض.

على هذه القاعدة كان وصول ترامب/و للسلطة وكان في رأس قائمة ما سيقوم به اعادة الشركات الأمريكية التي رحلت إلى الصين بتقديم محفزات الإعفاء الضريبي أو التخفيف الضريبي كي تتمكن من دفع أجور للعمالة الأمريكية بحيث تكون منتجاتها منافسة للمنتجات الصينية. كما لجأ إلى الحرب الاقتصادية المعولمة وخاصة ضد الصين وروسيا وإيران وفنزويلا. 

بناء على العلاقات التجارية بين روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية حازت كل من روسيا والصين على سندات أمريكية حيث اصبحتا  إلى جانب اليايان الأكثر بين مالكي هذه السندات أي دائنين للولايات المتحدة وهذا ما سمح لروسيا حينما فرضت عليها الولايات المتحدة عدوان العقوبات بعد استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، بأن ترد  روسيا ببيع السندات الأمريكية وكذلك فعلت الصين بتنسيق بينهما.وهذا يؤدي الى ارتفاع الفائدة ومن ثم الى انهيارات واسعة في عدة أسواق ان لم يشتريها احدا.؟ وهذا لعب دوراً في لجم التصعيد الأمريكي بشأن القرم. 

فيما يخص الصين، فهي تبيع بضائع للولايات المتحدة وتأخذ مقابل ذلك دولارات ولكي لا تتراكم تلك الدولارات لتصبح كسولة تشتري الصين بها سندات امريكية بفائدة فتعود حينها  الدولارات إلى الولايات المتحدة كي تعيد استخدامها لشراء مزيد من الصادرات وتسد عجز ميزانيتها.وبهذا تدفع للخارج فتخرج الدولارات من سوقها وعليه تنفق امريكا اكثر من دخلها دون أن يحصل تضخم مالي داخل أمريكا نفسها.

نقطة ضعف هذا النظام هو استمرار امريكا بأخذ قروض مالية جديدة بإصدار سندات مالية جديدة، وذلك لتسد عجز الميزانية وتدفع الديون المستحقة سابقا وهذه سلسلة متضاعفة خاصة أن عليها فوائدا وهذا خسر الدولار 98 بالمئة من قوته الشرائية. وإذا ما ربطنا هذا التآكل مع توجهات الصين وروسيا نحو استبدال الدولار بعملاتها وخاصة الين في التبادل فهذا يضع الدولار في مأزق تراجع أكثر في كونه عملة التبادل الدولي الأساسية.

وهنا علينا أن ننتبه للتالي: في  عام 2016 كان أكثر من 70 بالمئة من الدولارات من فئة ورقة 100 دولار موجودة خارج الولايات المتحدة وحيث تبقى الدولارات في الخارج فهي، أي الولايات المتحدة،  تقوم بتصدير تضخمها للخارج وحينما يتراجع و/أو يتوقف بيع النفط بالدولار سترجع الدولارات إليها فتنهار القوة الشرائية للدولار، ولكن هذا ضمن معركة تدريجية.

تعمل كل من الصين وروسيا على تجاوز التبادل بالدولار وخاصة أن روسيا منتج نفطي كبير ولذا، فبيع نفطها والغاز بغير الدولار يوجه ضربة للدولار لصالح البيع بالروبل او اليوان. علينا أن نستذكر اليوم أن أول من قرر وقف بيع النفط بالدولار كان الرئيس صدام حسين، وهذا كان السبب الرئيسي لاحتلال العراق وإعدامه.

حتى بداية الأزمة الحالية لم تجد الصين أن من مصلحتها توجيه ضربات قوية للدولار رغم الحرب التجارية عليها من الولايات المتحدة، وذلك لأن الولايات المتحدة سوق واسع لصادراتها. وحتى في مجريات الأزمة الحالية، فإن توقف العمل في معظم بلدان العالم مقابل استعادة الصين لنشاطها الاقتصادي سوف يرغم كثير من هذه البلدان على الاستيراد من الصين مما يكرر المأزق الغربي وخاصة الأمريكي بمعنى تبعية ما للصين! وربما لهذا السبب يحاجج ترامب/م  باتخاذ مخاطرة “العودة للعمل”. 

بناء على تطورات أزمة كورونا وجهت الصين دعوة لروسيا لتخفيض إنتاج النفط بناء على تراجع الحاجة الصينية للنفط. وهو الأمر الذي دفع أوبك للموافقة على تخفيض الإنتاج الأمر الذي رفضته روسيا أي أن تقلص من انتاجها 1.5 مليون برميل يومياً. وبهذا، خرقت روسيا بقصد اتفاق عام 2014 المعروف ب (أوبك –زائد) والذي كان هدفه منع انهيار الأسعار.  

للروس اسبابهم وأهدافهم في الرفض منها:

  •  التوقف عن إبداء مرونات لصالح السعودية حيث توقعت روسيا استثمارات سعودية فيها، ولم يحصل كما لم تشتر السعودية صواريخ إس 400 من روسيا. بالمناسبة فإن سياسة النفطيات العربية هي عدم الاستثمار في الدول الشرقية سابقا ولا في روسيا بعد تفكك الاتحاد الأوروبي رغم توفر أفضل التسهيلات مما يؤكد أن هذه الأنظمة ليست لها سيادة على أموالها. 
  • توجيه ضربة للشركات النفطية الأمريكية،النفط الصخري، المثقلة بالديون والتي إما تفلس الآن أو تضطر للأستدانة أكثر وخاصة لأن إنتاجها لا يكون مجدياً إن هبط سعر برميل النفط عن 50 دولاراً، وها هو اليوم قرابة 20 دولارا. وهذا رد طبعا على عدوان العقوبات الأمريكية ضد روسيا وحتى ضد الصين.
  • منع سيطرة امريكا او احتكارها لسوق النفط
  • إنهاء دور السعودية كمنتج مرجِّح في سوق النفط لا سيما وأنها أداة بيد امريكا، وهذا يضع السعودية في أكثر من مأزق بمعنى فقدان سيطرتها، وتضعضع مدخولها، وزيادة ثقل عدوانها ضد اليمن.
  • رد على عقوبات امريكا بشأن سوريا والقرم وخاصة حين فرضت عقوبات على شركات النفط والغاز الروسية.

كان الرد السعودي على موقف روسيا بفلتان العرض، فبدل تخفيض الإنتاج من جانبها قررت زيادة الإنتاج من 9.7 الى 12.3 برميل يومياً وجارتها الإمارات بأن زادت إنتاجها  1.5 مليون برميل يوميا! وقدمت السعودية خصومات تصل 8 دولار على البرميل لزبائنها .

وهكذا، بدل أن تنجح السعودية من وراء محادثاتها مع روسيا يوم 6 آذار برفع سعر برميل النفط إلى 80 دولارا أطلقت النار على يدها المنى بيدها اليسرى. ولا يدري المرء ماذا يدور في ذهنية محمد بن سلمان. فالحسابات الروسية أكثر وضوحا، فهي:

  • تبلغ مساهمة البترول في الميزانية الروسية 37 بالمئة بينما في  السعودية 67 ، هذا إلى جانب توقف موسمي الحج والعمرة واستمرار العدوان على اليمن، إن لم نقل انها لم تتوقف عن “مساهمتها” في تغذية الإرهاب ضد سوريا ورعاية الإرهاب في غير مكان.
  • روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي عام 1985، فاقتصادها متعدد الموارد كما أنها تخلصت من الهوامش المتخلفة التي كانت عبئا على الاتحاد السوفييتي
  • كما أن لديها احتياطي 500 مليار دولار

بينما وصل العجز السعودي مع بداية هذا الشهر إلى 50 مليار دولار.

ليست اللعبة إذن مجرد عض أصابع دون الاتكاء على عزيمة ما من جانب روسيا، وهذا ما دفع ترامب/و إلى التواصل مع بوتين لإيجاد مخرج من أزمة الإغراق النفطي لا سيما أن هناك تقديرات بأن الديون على شركات النفط الصخري الأمريكية بلغت 86 مليار دولار. 

هل قام بن سلمان بركوب راسه من راسه، أم بتنسيق مع ترامب/و لتشديد العدوان بالعقوبات ضد روسيا وصولا على الأقل بتقليص حصتها من النفط كي تبقى السعودية ملكة النفط شكلانياً وأمريكا ملكة النفط الفعلية.

وحيث لم تأت الحسابات على قدر توقعات الأمريكي والسعودي، وعلى ضوء تدني العرض في مجمل الاقتصاد الأمريكي الأمر الذي قد يرغم أمريكا على أحد خيارين:

  • إما العودة للعمل والسماح للوباء بالحراك الحر وليلقى كل فرد مصيره طبقا لمناعته وحذره، وهو ما اسماه بوريس جونسون “مناعة القطيع” وها هو تقريبا أحد ضحايا ذلك.
  • أم تمديد الإغلاق ومن ثم تزايد الشراء من الصين وتراكم مديونية أعلى عليها ومساهمة في تجليس أسهل للصين على عرش العالم اقتصاديا..

لذا، يضغط ترامبو على بن سلمان لكي يتوقف عن مغامرته.

خلاصة الأمر، فإن بوتين ربما لم يقصد الثأر من السعودية في تفكيك الاتحاد السوفييتي بقدر ما أنه يحاول أن لا تكون لا امريكا ولا السعودية هي مليكة النفط حتى وإن لم تصعد روسيا إلى ذلك العرش. ولا شك أن هذه الضربة قد أنهت دور السعودية في التحكم بالنفط طبقا للتوجيهات الأمريكية. 

وعليه، فإن تحرير سوق النفط من هذه القبضة لا شك سوف يساهم في إضعاف قبضة أمريكا على الاقتصاد العالمي ويزيد التبادل بغير الدولار، وهذه مكاسب حساسة جداً.

 

الجزء الأول

 

الجزء الثاني

 

الجزء الثالث

الكلمات الدليلية

اترك رداً

*

code

الكاتب د. عادل سمارة

d-adel
د. عادل سمارة

مواضيع متعلقة