نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

أيقونة الاعلام الامريكي حكت الحكاية وخلاصة الرواية…!

img

نواف الزرو

نواف الزرو*

لعلنا في ظل المشهد السياسي الراهن المتشكل في اعقاب الاعلان عن صفقة ترامب التصفوية، نستحضر خلاصة القصة والصراع والعودة الى البدايات كما روتها هيلين توماس….!

فقد كانوا يعتبرونها ايقونة الاعلام الامريكي التي من المفترض ان ترتقي الى مستوى قديسة لديهم…

مواطنة امريكية عملت مراسلة صحفية واعلامية كبيرة على امتداد عشر إدارات امريكية منذ عهد كنيدي في مطلع الستينيات….!

كانت مقربة ومستشارة اعلامية لهم على مدى اكثر من نصف قرن من الزمن….وفية معطاءة خبيرة محترفة بشهاداتهم..

غير أن كل هذا التاريخ لديها لم يغفر لها ولم يشفع امام لحظة حق وحقيقة اطلقت فيها ما كانت تؤمن به طوال  عمرها.

لم يغفر لها تاريخها وتراثها وعطاؤها وانتماؤها وخدمتها وولاؤها وبيتها الابيض الذي قضت فيه العقود وعاصرت فيه الإدارات والرؤساء، فقد آلمت “اسرائيل” و”شعب الله المختار…”.

انها هيلين توماس التي اجهزت دقيقة حقيقة واحدة عليها وعلى 60 سنة خدمة من عمرها…!.

أجهزوا عليها في الادارة الامريكية وفي العلاقات العامة وفي مكانتها الاجتماعية وكذلك في عمودها اليومي في صحيفتها.. حيث احالتها مجموعة هيرست نيوز سيرفس -التي تعمل لديها كاتبة عمود الى التقاعد وشطبها من سجل الكتاب..

تصوروا حجم العقاب والانتقام ..

فقد  تجرأت هيلين على التعيلق على جريمة “اسرائيل” ضد اسطول الحرية -في حينه- قائلة:”تذكر أن هؤلاء الناس (الفلسطينيون) تم احتلالهم، وهي أرضهم، ليست ألمانيا ولا بولندا”، وقالت بإمكانهم (الإسرائيليون) أن يذهبوا إلى ألمانيا وبولندا وأميركا أو أي مكان آخر”، مضيفة:”فليرحل اليهود إلى بلادهم، وليتركوا البلاد للفلسطينيين فهم اهلها واصحابها”..

لقد حكت الحكاية وخلاصة الرواية…!

هي لم تنطق كفرا..بل نطقت عدلا- ربما صحوة ضمير متأخرة ولكنها كبيرة الاهمية هنا-بعد ان صمتت دهرا…!

فاختزلت مجلدات ضخمة في الصراع بعبارة واحدة مكثفة مفيدة، فقدمت للعالم خلاصة الرواية واصل القصة والقضية والصراع..

طلبوا منها الاعتذار الواضح الصريح فلم تستجب…

حتى الرئيس اوباما كان أعرب عن ارتياحه بالتخلص منها:” من المؤسف ان تنهي سيرة حياة امرأة مؤسسة في واشنطن بهذا الشكل…فاقوالها مرفوضة وآمل ان تكون هي تدرك ذلك”، مضيفا:”ان ملاحظات طوماس لم تكن في محلها، مؤسف ان تنهي سيرتها هكذا رئاسية”.

لم تكن هذه الحالة الاولى من نوعها، فهم في الدولة الصهيونية والادارة الامريكية يربطون ربطا  واضحا وقويا ما بين جرأة الانتقاد لممارسات وجرائم”اسرائيل”، وما بين فزاعة اللاسامية والإرهاب؟، فهيلين تحولت بسرعة ضوئية الى معادية للسامية… هذه الفزاعة التي من وجهة نظرهم تطل برأسها بقوة تقلق”اسرائيل” وتحد من حريتها الاجرامية..!

وهم حينما يتحدثون عن اللاسامية إنما يقصدون بها اولئك القادة او الساسة أو المفكرين او العلماء او الاعلاميين او حتى على مستوى الرأي العام، الذين يتجرأون على انتقاد ممارسات وجرائم”اسرائيل”، وهيلين هنا تشكل الحالة الابرز.

الباحث الفرنسي”باسكال يونيفاس” رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية وعضو اللجنة الاستشارية للامين العام للامم المتحدة في قضايا “نزع التسليح” كان لخص لنا في كتابه:”من يجرؤ على انتقاد اسرائيل” الخلفيات والخفايا والمضامين الحقيقية ل”اللاسامية” حيث يقول:”هناك دولة واحدة فقط هي دولة اسرائيل يؤخذ النقد الموجه الى حكومتها على انه عنصرية مقنعة او عنصرية لا تعلن عن نفسها صراحة، واذا سمحت لنفسك بالتشكيك في سياساتهم فستتهم على الفور بالعداء للسامية، كما تقوم الحكومة الاسرائيلية باستغلال قصة العداء للسامية لخدمة اغراض اخرى عندما تجد نفسها في مأزق أمام المجتمع الدولي”.

وفي هذا الصميم نذكر:  ربطوا غولدستون صاحب التقرير المشهور الذي طالب بتقديم جنرالات الحرب الإسرائيليين الى محكمة الجنايات الدولية باللاسامية ايضا، فوزير الإعلام الاسرائيلي يولي ادلشتاين اتهم تقرير القاضي غولدستون بمعاداة السامية، فقال على موقع “يديعوت احرونوت” على الانترنت” ان تقرير غولدستون هو مجرد تعبير عن معاداة السامية”، ورأى الوزير الاسرائيلي”.

وتنسحب المضامين والتداعيات اعلاه على الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي وجه انتقادات جريئة للسياسات العنصرية الاسرائيلية  حيث أكد في كتابه” فلسطين..السلام وليس الفصل العنصري”:

“ان الفلسطينيين يتعرضون الى تمييز عنصري أكثر مما تعرض له الافارقة في جنوب افريقيا في عهد نظام الابارتهايد”، فاعتبر مركز فيزنتال الصهيوني “ان جيمي كارتر اصبح احد اشرس منتقدي إسرائيل”، و”المتحدث الافتراضي باسم القضية الفلسطينية”.

وهذا ما حدث أيضا مع الرئيس البيلاروسي “الكسندر لوكاشنكو” الذي تجرأ وقال في مؤتمر صحافي:”أن الأوساخ في مدينة بوربويسك تعود إلى الإهمال الذي يسببه اليهود فيها”، وأضاف :”إن اليهود جعلوا من هذه المدينة حظيرة خنازير تتسم بالعفن” واعتبر ذلك أمرا طبيعيا بالنسبة لليهود، فهم يتصرفون على هذا النحو في بيوتهم”، و اكد:” إنه شخصيا زار إسرائيل ولا يفاجئه هذا العفن في المدينة”، فاعتبرت الخارجية الإسرائيلية تصريحاته”تظاهرة لا سامية خطيرة ضد اليهود”.

حتى المحكمة الجنائية الدولية التي أصدرت قرارا بالتحقيق في جرائم حرب محتملة من قبل الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين لن تسلم، فاتهمها نتنياهو باللاسامية وطالب بفرض العقوبات عليها، وكذلك الادارة الامريكية  اصطفت الى جانب نتنياهو.

وهكذا.. كلما دق الكوز بالجرة في قصة “اسرائيل” و”الاحتلال الاسرائيلي” وجرائم الحرب والابادة الجماعية والقرصنات التي تقترفها “إسرائيل” بالبث الحي والمباشر أمام الملأ ضد الشعب الفلسطيني،  وكلما تجرأ مسؤول كبير أو مفكر او باحث او اعلامية كبيرة مخضرمة كابنة البيت الأبيض، على توجيه الانتقادات لممارسات الدولة الصهيونية، تتحرك اللوبيات ومراكز النفوذ والتأثير وتطلق مدافع الاعلام الامريكية – الصهيونية نيرانها الثقيلة بأتهام ذلك القائل او تلك الجهة بالعنصرية ومعاداة السامية..

تصوروا.. ان كل من” يتجرأ” على رؤية الجرائم الصهيونية يتهم بالعنصرية ومعاداة السامية، واصبح يتهم منذ عهد الرئيس بوش بالارهاب ايضا، والمؤسف ان ادارة ابوما التي علقت عليها آمال لدي الكثيرين تواصل النهج ذاته…!

 

[email protected]

الكلمات الدليلية

اترك رداً

الكاتب نواف الزرو

nawaf-zaro
نواف الزرو
-اسير محرر امضى احد عشر عاما في معتقلات الاحتلال الاسرائيلي ، حكم بالمؤبد مدى الحياة عام 1968 وتحرر في اطار صفقة تبادل الاسرى عام 1979 . - بكالوريوس سياسة واقتصاد/جامعة بير زيت-دراسة من المعتقل. - كاتب صحفي وباحث خبير في شؤون الصراع العربي - الصهيوني

مواضيع متعلقة