نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

“الدروس الواجب إستيعابها من ثورة الأردنيين”

img

د. لبيب قمحاوي 

لا يحق لأحد ، أي كان ، أن يتنفس الصُّعَدَاء وكأن ما مَرَّ هو كابوس قد إنتهى ، أو الإكتفاء بمقولة أن الله كفى الأردنيين شَرَّ القتال والإقتتال ، بل يجب العمل من قـِبَل كل الأطراف وبـِنِيـَّةٍ مُخـْلِصَةٍ على إزالة أسباب غضب الأردنيين ولجوئهم إلى الشارع للتعبير عن ذلك الغضب .
علينا أن نعترف إبتداءاً بأن الشعب الأردني قد أبدى سلوكاً سلمياً وَوَعْياً ملحوظاً لمطالبه وحقوقه ، وأن الحُكْم أيضاً لم يلجأ إلى إستعمال القوة لقمع موجات الغضب الجماهيري ، بل إنحنى أمامها وتفاعل معها . وحتى يكتسب هذا الموقف أي معنى فإنه يجب أن يكون نواة لموقف إستراتيجي جديد وليس موقفاً تكتيكياً لن يؤدي في النهاية إلى أية تغيير حقيقي .
الضمانة الوحيدة لسلامة الوطن كما أثبتت الأحداث الأخيرة هي وعي الشعب الأردني ومقدرته الطبيعية الفذَّة على الحفاظ على التوازن بين المطالب الجماهيرية من جهة ، وعافية الوطن الأردني من جهة أخرى ، وليس أي شئ آخر . ولكن هذه المقدرة على حفظ التوازن سوف تتضاءل بإضطراد إذا ما إستمر الجوع والبطالة والإحساس بالظلم  والفشل نتيجةً لعدم إحداث وتفعيل التغيير الحقيقي والمنشود من قبل الجماهير الأردنية .
هنالك دروس مما جرى في الأردن خلال الأسبوعين الماضيين على جميع الأطراف إستيعابها والتعلم منها . فالمشاكل التي أدت إلى غضب الأردنيين لم يتم حَلـَّها أو حل أي جزء منها بل تم الإعتراف بها من خلال طرد الحكومة السابقة والإعتراف بأحقيتها كمطالب من قِبَلْ الملك من خلال الإشارة إليها في كتاب التكليف لحكومة عمر الرزاز الجديدة . ما يجري الآن هو في حقيقته فترة لإلتقاط الأنفاس وإثبات حُسن نوايا الحكم وليس لتبادل التهاني أو الإتهامات سواء على ما حصل أو على ما لم يحصل وتم بالتالي تفاديه . فالأزمة لم يتم تجاوزها وما يجري الآن هي فترة سماح قدمها الشعب للنظام لتنفيذ وعودِهِ في إجراء الإصلاحات الحقيقية المطلوبة .
المطالب الأردنية التي إبتدأت مُحَدَّدَة بمطلب واحد تطورت على أرض الواقع لتنتقل وبشكل عفوي من مطلب إلغاء التعديلات المقترحة على قانون الضريبة إلى مطالب تغيير وإصلاح النهج الإقتصادي والنهج السياسي للدولة الأردنية . ولكن هناك بعض القضايا المستعجلة التي تؤثر على الحياة اليومية للمواطن الأردني والتي تتطلب من الحكومة الجديدة إجراآت فورية مثل إعادة تشكيل لجنة تسعير المشتقات النفطية بمشاركة النقابات ومؤسسات المجتمع المدني والتأكيد على علنية وشفافية إجراآتها وعلى أن تجتمع كل ثلاثة أو ستة أشهر وليس شهرياً ، وكذلك على ضرورة إلغاء الزيادات في ضريبة المبيعات على الأساسيات سواء في المأكل أو الملبس أو العلاج وإعادة ضريبة المبيعات إلى حقيقتها كضريبة للحد من الإسراف وليس للجباية . إن هذه الاجراآت من شأنها تهدئة النفوس وطمأنة المواطنين على حُسن نوايا الحكومة الجديدة .
إن غياب قيادة للتحرك الجماهيري قد جاء كنتيجة طبيعية لدور الدولة العميقة في الأردن على مدى العقود الماضية في تدمير الحياة السياسية واضعاف الأحزاب والمؤسسات الدستورية ومؤسسات المجتمع المدني عموماً مما ساهم في خلق فراغ ملحوظ كان من الممكن تعبئته بجهات معادية للأردن لولا وعي الشعب الأردني .ولكن ، وعلى أية حال ، فالمرء يحصد ما يزرع ، وكذلك الدول .
وقد رافق مطلب تغيير النهج السياسي مطلب تغيير النهج الاقتصادي للدولة . ولكن الاصلاح الإقتصادي وتغيير نهجه يتطلب البدء في التصدي للفساد الكبير وسطوة الفاسدين على مقدرات الدولة بإعتبار ذلك أولوية حاكمة لمسار الإصلاح ، وبخلاف ذلك فإن كل شئ آخر يبقى مقدوراً عليه . وهذا يتطلب من رئيس الحكومة المكلف الإبتعاد تماماً وبشكل كامل عن توزير الفاسدين واللصوص وهم معروفين للجماهير الأردنية ، وعدم تعيين أي منهم في أي منصب مسؤول في الدولة الأردنية . وهكذا تصبح مسؤولية رئيس الحكومة المكلف مضاعفة ، لا تنحصر في إستبدال الحكومة السابقه بقدر ما تتطلب تغيير النهج الاقتصادي للحكومة السابقة والابتعاد ما أمكن عن أسلوبها المتهور والمتعسف في فرض رؤيتها الاقتصادية وضعفها الواضح أمام الفساد الكبير وتسلطها على المواطن من خلال الاستفحال في تطبيق نهج الجباية .
إن قدرة الرئيس المكلف على إحداث التغيير المطلوب تتطلب إستعادة الولاية العامة الدستورية للحكومة ولو جزئياً . ومع التأكيد على أن وعي الشعب الأردني هو الضمانة الوحيدة لعافية الوطن ، إلا أن الرهان على ذلك لا يكفي كون المطلوب هو تلبية المطالب الجماهيرية ولو جزئياً وليس الإلتفاف عليها بإعتبارها حدثاً مزعجاً فاجئ الحـكم ، وعلى الحكم التخلص منه ومن آثاره بالسرعة الممكنة والعمل على تلافيه بالحد الأدنى من التنازلات أو هكذا تطمح الطبقه المتنفذة ومجموعة الفاسدين . إن هذا النمط من التفكير المُتـَوَقع من الدولة العميقة سوف يعكس إذا ما طُبقَّ قصوراً واضحاً في الرؤيا وفي مراعاة مصلحة البلد .

2018 / 06 / 07
lkamhawi@cessco.com.jo 

الكلمات الدليلية

اترك رداً

الكاتب د. لبيب قمحاوي

d-labeeb
د. لبيب قمحاوي
* مفكر وسياسي

مواضيع متعلقة