نبض الوعي العربي ترحب بكل فكر يومض في أفق الثوابت الوطنية و العربية ، فمن رفع ساريتها فبحرنا واحد و من ابتغى غيرها هدفا و منهجا فلا مقام لمقاله في نبضنا

في الذكرى السبعين للنكبة واغتصاب فلسطين:أهمية معركة التوثيق والتأريخ وجبهة الوعي والذاكرة والاجيال…!

img

 نواف الزرو *

وفق جملة لا حصر لها من المعطيات والوثائق الوافرة فقد بات الاسرائيليون اليوم بعد نحو سبعين عاما على النكبة وقيام الدولة الصهيونية يجمعون من اقصى يسارهم الى اقصى يمينهم، على الرفض المطلق حتى لامكانية مناقشة”حق العودة لللاجئين الفلسطينيين”، معتبرين ان هذا الحق هو بداية نهاية”اسرائيل” كما عبر عن ذلك يوما وزير حربهم الاسبق عمير بيرتس حينما اعلن:” أن حق عودة الفلسطينيين إلى ديارهم هو “نهاية الحلم الاسرائيلي ونهاية الدولة العبرية”وإنه “لا يمكن قبول المطالب الفلسطينية بحق العودة”، معتبراً أن “ليس ثمة يساري في “إسرائيل” يقبل بمطلب عودة الفلسطينيين”.

في حين يتماسك الفلسطينيون اليوم بالمقابل اكثر من اي وقت مضى وراء التمسك بالقضية والحقوق وفي مقدمتها حق العودة لملايين اللاجئين المشتتين، معتبرين ان من اهم واخطر الاسلحة في مواجهة بلدوزر التجريف والتهويد هو سلاح الذاكرة الجمعية للشعب العربي الفلسطيني وللشعوب العربية معا، لذلك يحرصون على توارث هذه الذاكرة الوطنية على مدار الاجيال على عكس مراهنات  المؤسسة الصهيونية  المعروفة على فعالية عامل النسيان في طي وتلاشي واضمحلال هذه الذاكرة …!

فحسب  تقرير فلسطيني ف”ان اللاجئين المخضرمين من كبار السن يسابقون الزمن لايصال ما تبقى لهم من ديارهم المسلوبة حروفا لأبنائهم وأحفادهم”، وذلك”رغم إيمانهم العميق بالعودة حتى لو آخر يوم في العمر، وكما يقول أبو محمد اللفتاوي:”أمي عاشت 107 سنوات ورغم ذلك كانت قبل وفاتها تتصرف كأنها ستعود إلى لفتا يوم غد، كانت تقول لبناتي عندما نعود إلى لفتا ستخرجن إلى بيت أزواجكن من بيت جدكن في وسط البلد”.

والجدة ماتت قبل ثلاث سنوات والحفيدات تزوجن من منزل أبيهن في مخيم قدورة إلا أنهن يحلمن الآن بتزويج بناتهن من منزل جدهن في لفتا، تطبيقا لوصية الجدة “اللاجئة”.

وكما والدة “أبو محمد” وبناته، حكاية آلاف الأمهات والجدات اللواتي يحلمن بالعودة حتى لو كان من خلال الأحفاد:” إذا لم نعد نحن يعود غيرنا، إنا خرجت من عنابا –قضاء الرملة- وسيعود إليها أكثر من ثلاثين حفيدا وحفيدة” قالت أم راتب، الحاجة آمنة والتي استقرت بها رحلة اللجوء في مخيم الأمعري القريب من مدينة البيرة.

فهذه الصورة التلقائية في توريث ذاكرة النكبة استطاعت غرس أيمان جيلين وأكثر عاشوا وتربوا في المخيمات الفلسطينية بعد النكبة، إيمان بحق العودة إلى ديارهم الأم في فلسطين المحتلة عام 48.

كان موشيه ديان قال في مقابلة اجرتها معه مجلة”دير شبيغل”الالمانية في تشرين الاول 1971: “في تشرين الثاني عام 1947 رفض العرب قرار التقسيم (الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة)، وفي عام 1949 (بعد التوقيع على اتفاقيات الهدنة) عادوا الى المطالبة بتنفيذه”، “وفي عام 1955 – والكلام لديان ايضاً نقلاًعن دراسة للدكتور عبدالقادر ياسين- كانت جميع الدول العربية المعنية ترفض اتفاقيات الهدنة، وبعد حرب حزيران 1967 عادوا الى المطالبة بانسحاب اسرائيل الى حددو الرابع من حزيران”، “ولن افاجأ – يؤكد ديان – بعد حرب اخرى تسيطر فيها اسرائيل على مناطق عربية جديدة في الاردن او سوريا اذا ما طالبوا بالعودة الى الحدود الحالية..”.

في الصميم والجوهر انما يتحدث ديان عن حالة التفكك والعجز العربي اولاً، ثم يتحدث عن ضعف الذاكرة العربية وحالة عدم الاكتراث واللامبالاة من جهة ثانية، بينما يمكننا ان نستشف من اقواله من جهة ثالثة ان الصراع الحقيقي ليس فقط على الارض المحتلة والمغتصبة، وانما ايضاً على الذاكرة والوعي الجمعي والثوابت القومية العربية.

يعبر الكاتب الفلسطيني على جرادات تعبيرا عميقا عن جوهر هذا الصراع حينما يقول: “ان السياسة تستطيع أن تغتصب التاريخ، أما أن تلغيه فلا، وتستطيع أن تسطو على الجغرافية، أما أن تشطبها فذاك المستحيل بعينه، وتستطيع أن تعبث بالديموغرافيا، أما أن تدثرها فذاك نادرا ما حصل”،

عندما اعرب شارون في يوم من الايام عن”اعجابه بشعر محمود درويش”وعن”حسده له وللشعب الفلسطيني على علاقته الوجدانية بالارض”، انما كان يعرب عن مشاعر الغضب والقهر في نفسه من قدرة الصمود لدى الشعب الفلسطيني في مواجهة بلدوزر الاقتلاع والتجريف.

على مدى سنوات وايام خيار السلام والتطبيع والتعايش، امتدت واتسعت مساحة عمل البلدوزر بصورة مريحة لتصل الى ذكرى  النكبة وذاكرتها، والى الوعي الجمعي القومي العربيفي محاولة للاجهاز عليها …!.

ولكن هناك على امتداد مساحة فلسطين ومخيمات اللجوء، كأن لسان حال اهل فلسطين يهتف :

اخرجوا من أرضنا ومن جونا ومن برنا ..

فالأرض ليست ارضكم بل الأرض أ رضنا …

اخرجوا من أرضنا …”

 

وكأن لسان حال كل فلسطيني على امتداد الوطن يؤكد :

 

“سأبقى دائما احفر

جميع فصول مأساتي

وكل مراحل النكبة ..من الحبة ..الى القبة على زيتونة في ساحة الدار ..”

 

و كما يكثف لنا شاعر فلسطين محمود درويش المشهد قائلا:

 

“أيها المارون بين الكلمات العابرة

آن لكم أن تنصرفوا

وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا

فاخرجوا من أرضنا

من برنا …من بحرنا

من قمحنا …من ملحنا…من جرحنا

من كل شيء، واخرجوا

من ذكريات الذاكرة “.

 

لذلك كله فان الحفاظ على ذكرى النكبة بكافة ملفاتها، وعلى ذاكرتها لدى الشعب العربي الفلسطيني، وفي الوعي الجمعي العربي هو بمثابة سلاح التدمير الشامل في مواجهة بلدوزر الاقتلاع والتجريف والالغاء والنسيان، والعبث بحقائق التاريخ والجغرافيا والحضارة والتراث…؟!!

Nzaro22@hotmail.com

الكلمات الدليلية

تعليق واحد على “في الذكرى السبعين للنكبة واغتصاب فلسطين:أهمية معركة التوثيق والتأريخ وجبهة الوعي والذاكرة والاجيال…!”

  1. ستزول إسرائيل يوما طالما أن الفسطيني يطالب بحقه في أرضه. …لم يدم إحتلال يوماً وإسرائيل احتلال لن يدم
    انت دائماً مبدع وصاحب قضية أستاذ نواف

اترك رداً

الكاتب نواف الزرو

nawaf-zaro
نواف الزرو
-اسير محرر امضى احد عشر عاما في معتقلات الاحتلال الاسرائيلي ، حكم بالمؤبد مدى الحياة عام 1968 وتحرر في اطار صفقة تبادل الاسرى عام 1979 . - بكالوريوس سياسة واقتصاد/جامعة بير زيت-دراسة من المعتقل. - كاتب صحفي وباحث خبير في شؤون الصراع العربي - الصهيوني

مواضيع متعلقة